من إرث الاستعمار إلى سياسات اللجوء: بريطانيا في مواجهة ماضيها الثقيل



يُعاد اليوم طرح سجلّ الإمبراطورية البريطانية الاستعماري إلى واجهة النقاش العام، تزامنًا مع الجدل المتصاعد حول سياسات اللجوء والهجرة التي تنتهجها الحكومة البريطانية. ويرى باحثون وناشطون في مجال حقوق الإنسان أن ثمة رابطًا تاريخيًا وأخلاقيًا بين الدور الذي لعبته بريطانيا في صناعة أزمات كبرى عبر قرون من الاستعمار، وبين الطريقة التي تتعامل بها حاليًا مع لاجئين قدم كثير منهم من مناطق كانت خاضعة لنفوذها المباشر.

إرث استعماري مثقل بالانتهاكات

تشير وثائق تاريخية ودراسات أكاديمية إلى أن التوسع الاستعماري البريطاني لم يكن مشروعًا “حضاريًا” بالمعنى الذي رُوّج له طويلًا، بل اقترن بسياسات قمعية واسعة النطاق.

في الهند، تسببت الإدارة الاستعمارية البريطانية في مجاعات كبرى، أبرزها مجاعة البنغال عام 1943، حيث توفي ملايين المدنيين نتيجة سياسات اقتصادية وأمنية وُصفت لاحقًا بأنها كارثية، في وقت استمر فيه تصدير الموارد لخدمة المجهود الحربي البريطاني.

وفي كينيا، واجهت ثورة “الماو ماو” في خمسينيات القرن الماضي قمعًا شديدًا، تخلله إنشاء معسكرات اعتقال مورست فيها أساليب تعذيب ممنهجة، وهو ما اعترفت به الحكومة البريطانية رسميًا بعد عقود من الإنكار، وقدّمت على إثره تعويضات لعدد من الضحايا.

أما في إيرلندا، فقد ارتبط الحكم البريطاني بسياسات قمع وإعدامات ومصادرات للأراضي، إضافة إلى التعامل الكارثي مع “المجاعة الكبرى” في القرن التاسع عشر، التي أودت بحياة أكثر من مليون شخص وأجبرت ملايين آخرين على الهجرة.

وفي فلسطين، لعب الانتداب البريطاني دورًا محوريًا في إعادة تشكيل المشهد السياسي والديمغرافي، من خلال سياسات اعتبرها مؤرخون منحازة، وقمع دموي للثورات الشعبية، ما مهد لصراع ما زالت تداعياته الإنسانية مستمرة حتى اليوم.

من تفكيك المجتمعات إلى موجات اللجوء

يرى محللون أن نتائج تلك السياسات لم تتوقف عند حدود الماضي، بل امتدت آثارها إلى الحاضر، حيث ساهمت في إضعاف البنى الاقتصادية والاجتماعية، وزرع صراعات طويلة الأمد، دفعت أجيالًا لاحقة إلى الهجرة واللجوء بحثًا عن الأمان.

ويلاحظ أن نسبة ملحوظة من طالبي اللجوء في بريطانيا ينحدرون من دول كانت خاضعة سابقًا للحكم البريطاني، أو تأثرت بشكل مباشر بسياساته، سواء في آسيا أو إفريقيا أو الشرق الأوسط.

سياسات لجوء تحت المجهر

في المقابل، تواجه بريطانيا انتقادات متزايدة بسبب سياساتها الحالية تجاه طالبي اللجوء، والتي تصفها منظمات حقوقية بأنها “صارمة” و”غير إنسانية” في بعض جوانبها. وتشمل هذه السياسات احتجاز طالبي اللجوء لفترات طويلة، ومحاولات ترحيلهم إلى دول ثالثة تُثار تساؤلات حول مدى أمانها، إضافة إلى ظروف معيشية صعبة في مراكز الإيواء، وخطاب إعلامي وسياسي يصوّر اللاجئين أحيانًا كعبء أمني أو اقتصادي.

مقارنة تاريخية وأخلاقية

ويرى منتقدو هذه السياسات أن ثمة تشابهًا لافتًا بين أدوات الماضي والحاضر، وإن اختلفت المسميات؛ فحيث كان الاحتلال يُفرض بالقوة العسكرية، تُمارَس اليوم إجراءات الطرد والاحتجاز بقوة القانون. وحيث وُجدت معسكرات اعتقال للمستعمَرين، تُقام اليوم مراكز احتجاز للاجئين، في سياق يعتبره البعض استمرارًا لمنطق نزع الإنسانية عن “الآخر”.

يخلص مراقبون إلى أن الجدل حول سياسات اللجوء في بريطانيا لا يمكن فصله عن تاريخها الاستعماري، مؤكدين أن غياب المحاسبة الشاملة عن جرائم الماضي ينعكس في مقاربات الحاضر. وبينما تطالب أصوات حقوقية بإعادة النظر في هذه السياسات من منظور تاريخي وأخلاقي، يبقى السؤال مطروحًا حول قدرة بريطانيا على التوفيق بين خطابها الحقوقي المعلن وممارساتها على الأرض تجاه من تصفهم التقارير بأنهم، في كثير من الحالات، ضحايا إرث لم يختاروه.