البرلمان الإيطالي يفتح ملف فنزويلا وتداعيات التدخلات الدولية
روما . إكرامى هاشم
في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الدولية للسياسات التدخلية الأميركية في عدد من مناطق العالم، عادت فنزويلا إلى واجهة النقاش السياسي والقانوني في أوروبا، بوصفها نموذجًا صارخًا لتدخلات تثير تساؤلات جوهرية حول احترام سيادة الدول، وحدود الشرعية الدولية، ومستقبل النظام العالمي القائم على القانون.
وفي هذا الإطار، استضافت إحدى قاعات مجلس الشيوخ الإيطالي في روما ندوة سياسية–قانونية خُصصت لمناقشة التدخل الأميركي في فنزويلا وانعكاساته الإنسانية والإقليمية والدولية، بمشاركة برلمانيين وخبراء في القانون الدولي وشخصيات إعلامية وناشطين في العمل العام.
وشهدت الندوة حضورًا لافتًا لعدد من رموز وأقطاب الجاليات العربية المقيمة في روما، من بينهم السيدة زينب محمد، رئيسة جمعية الهدى الثقافية، والدكتور يوسف سلمان، رئيس الجالية الفلسطينية في إيطاليا، والدكتور زهران خالاتي، إلى جانب مدير مكتب الوكالة الكندية للأنباء في إيطاليا، في دلالة على تنامي اهتمام الجاليات العربية بمتابعة القضايا الدولية المرتبطة بالسيادة وحقوق الشعوب.
مداخلة قانونية: انتهاك صريح للشرعية الدولية
وفي مداخلته، أكد الخبير في القانون الدولي بينو أرلاكي أن العمليات الجارية تُسوَّق تحت عناوين إنسانية، في حين تفتقر إلى أي أساس قانوني أو واقعي يبررها. وأوضح أن الحديث عن احتلال أميركي لفنزويلا يفتقر إلى المقومات السياسية والعسكرية، في ظل تعقيد المشهد الدولي وغياب الدعم الدولي لمثل هذا الخيار.
وشدد أرلاكي على أن ما يجري يمثل انتهاكًا خطيرًا لمبادئ أساسية في القانون الدولي، وعلى رأسها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، محذرًا من تداعيات تطبيع هذا السلوك على النظام الدولي ككل.
كما أشار إلى الدور الذي يلعبه الحراك الشعبي داخل فنزويلا، لافتًا في الوقت نفسه إلى وجود حملة إعلامية ونفسية منظمة تهدف إلى التشكيك في شرعية حكومة الرئيس نيكولاس مادورو. وأكد أن الدولة الفنزويلية ما زالت قائمة بمؤسساتها، وأن مبدأ استمرارية الدولة يجب أن يبقى المرجعية الأساسية في أي نقاش قانوني أو سياسي.
البعد الإنساني: نقد ازدواجية المعايير
من جهتها، ركزت البرلمانية الإيطالية استيفانيا أسكاري، عضو مجلس النواب، في مداخلتها على البعد الإنساني للأزمات الدولية، معتبرة أن العمل الإنساني واجب أخلاقي لا يجوز إخضاعه للاصطفافات السياسية.
وانتقدت أسكاري حملات التشويه والتجريم التي تستهدف النشطاء الإنسانيين، مستندة إلى تجربتها الشخصية في المشاركة في بعثات إنسانية إلى فلسطين وسوريا ولبنان والأردن، مشيرة إلى أن «ذنبهم الوحيد» هو نقل الشهادة الحية عن معاناة الشعوب التي غالبًا ما يتم تجريدها من إنسانيتها في الخطاب السياسي والإعلامي.
وأكدت أن جوهر الأزمات الممتدة من فلسطين إلى فنزويلا يكمن في انتهاك ممنهج ومتكرر للقانون الدولي، في ظل نظام عالمي تحكمه المصالح الاقتصادية، حيث تتحول الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها النفط، واقتصاد الحرب إلى محركات رئيسية للتدخلات العسكرية، بينما تُستخدم شعارات الديمقراطية بشكل انتقائي.
كما سلطت الضوء على ما وصفته بازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع قضايا مثل فلسطين وإسرائيل وروسيا وفنزويلا وإيران، معتبرة أن الديمقراطية تُوظَّف كأداة سياسية تخدم المصالح لا القيم المعلنة، داعية إلى تفعيل الدور البرلماني والمؤسسي، والانخراط في الفضاء العام، وبناء وعي شعبي قائم على المعرفة والمساءلة.
استعادة القانون والإنسان
وخلصت الندوة إلى التأكيد على أن الأزمة الفنزويلية لا يمكن فصلها عن مسار أوسع يشهد تآكلًا متزايدًا لقواعد القانون الدولي، محذّرة من أن التساهل مع هذه الانتهاكات يفتح الباب أمام تكرارها في مناطق أخرى من العالم.
وشدد المشاركون على أن الدفاع عن السيادة الوطنية واحترام القانون الدولي لا ينفصل عن استعادة البعد الإنساني كمرجعية أساسية في العلاقات الدولية، مؤكدين أن مسؤولية حماية الشرعية الدولية تقع على عاتق البرلمانات ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، في مواجهة منطق القوة واقتصاد الحرب.






