من ناصر إلى السادات كيف تطوّرت العقيدة العسكرية المصرية؟

 


صوفيا

د محمد كمال علام 

"الجيوش لا تقاتل بالسلاح فقط بل بالعقيدة والعقيدة العسكرية ليست شعارات،بل طريقة تفكير،طريقة إعداد، وطريقة اتخاذ قرار بين عبد الناصر وأنور السادات  لم يتغير القائد فقط  بل تغيّر عقل الجيش المصري نفسه

 عقيدة ما بعد 1952: جيش الثورة

بعد ثورة يوليو،تشكلت عقيدة عسكرية جديدة قوامها:— الجيش حارس الثورة — الجيش قائد التغيير

— الجيش أداة المشروع القومي في عهد جمال عبد الناصر، لم تكن العقيدة عسكرية خالصة  بل سياسية ـ قومية الجيش لم يُعد فقط لحماية الحدود،بل لحماية فكرة: الوحدة العربية- التحرر- المواجهة مع الاستعمار

  التوسع خارج الحسابات

دخل الجيش معارك خارج الإطار التقليدي:— اليمن-— دعم حركات التحرر-— استعداد دائم لحرب شاملة مع إسرائيل العقيدة كانت هجومية الطابع،واسعة الأفق،لكنها اعتمدت على فرضية خطيرة:التفوق العددي والإرادة يكفيان-وجاءت 1967… لتكشف الفجوة بين الطموح والجاهزية

 الصدمة الكبرى: مراجعة الذات

بعد الهزيمة، بدأ التحول الحقيقي  العقيدة لم تعد:— حرب تحرير شاملة بل أصبحت:— استعادة قدرة قتالية واقعيةتم التركيز على:— التدريب المنهجي — إعادة الانضباط — فصل السياسة عن غرف العمليات-— تطوير الدفاع الجوي-كانت هذه أول مرة-يبدأ فيها الجيش المصري يفكر بمنطق "الإمكانيات المتاحة"لا "الطموحات الكبرى حرب الاستنزاف: مدرسة إعادة التكوين بين 1968 و1970  تشكلت عقيدة جديدة عمليًا:— قتال محدود

  هنا وُلد مفهوم:النصر ليس إسقاط العدو بالكامل،بل إرهاقه وكسر تفوقه. — استنزاف تدريجي — اختبار مستمر للجاهزية لم تكن الحرب مجرد مواجهة، بل معمل تدريب حقيقي من

 السادات: الواقعية الاستراتيجية

حين جاء أنور السادات،لم يرث فقط جيشًا يعيد بناء نفسه،بل ورث سؤالًا:هل نخوض حربًا شاملة؟ أم نغيّر طريقة التفكير؟ السادات اختار العقيدة الواقعية:—  حرب محدودة — أهداف محددة— حرب محدودة-— استخدام التفوق الجزئي-— الاعتماد على عنصر المفاجأة  لم يعد الهدف تدمير إسرائيل،بل تحريك المعادلة السياسية


 عقيدة أكتوبر: "القتال تحت المظلة

الخطة المصرية في 1973كانت تجسيدًا للعقيدة الجديدة:— عبور سريع — تمركز محدود — حماية بالدفاع الجوي — عدم التوغل خارج القدرة  عن عقلية ما قبل 1967 لم تعد "الضربة الشاملة"،بل "الضربة المحسوبة

 الفرق الجوهري

عقيدة ناصر:مشروع قومي واسع + استعداد لحرب كبرى

عقيدة السادات:هدف سياسي محدد + عملية عسكرية محدودة

الأولى اعتمدت على الرمز والقوة المعنوية

الثانية اعتمدت على الحسابات الدقيقة والتوازن الدولي

ماذا بقي بعد أكتوبر؟

بعد الحرب،ترسخت مبادئ جديدة:— الردع بدل الهجوم الدائم — الحفاظ على الجاهزية لا المغامرة — التوازن مع القوى الكبرى — تسليح حديث مرتبط بتحالفات استراتيجية تحول الجيش من:أداة تغيير إقليمي إلى قوة ردع إقليمية محسوبة

 الدرس الأعمق

أكبر تحول لم يكن في السلاح… بل في التفكير.من الإيمان بأن:الإرادة تصنع النصرإلى الإيمان بأن: الحسابات الدقيقة تصنع النصر الممكن.هذا التحول هو ما  جعل أكتوبر ممكنة،وما منع تكرار صدمة 1967

 تطور أم تراجع؟

"هل كان التحول من الطموح القومي إلى الواقعية الاستراتيجية تطورًا؟ أم تنازلًا عن حلم أكبر؟التاريخ لا يعطي إجابة واحدة لكنه يقول بوضوح: الجيش الذي لا يراجع عقيدته بعد الهزيمة      

يُهزم مرة أخرى ومصر… اختارت أن تعيد التفكير قبل أن تعيد القتال

كيف نظرت إسرائيل إلى حرب أكتوبر؟

قراءة من أرشيفهم

"في الحروب، كل طرف يكتب روايته لكن الحقيقة غالبًا تختبئ في الوثائق السرية،في تقارير اللجان، وفي اعترافات ما بعد الصدمة بعد حرب أكتوبر 1973، لم تحتفل إسرائيل بل حققت مع نفسها

 الصدمة: سقوط أسطورة "لا يُقهر

قبل أكتوبر،كان داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ما يُعرف بـ"الكونسبتسيا" (المفهوم)

هذا المفهوم قام على فرضيتين خطيرتين:مصر لن تهاجم دون تفوق جوي كامل الجيش المصري غير قادر على تنفيذ عبور واسع  عندما عبرت القوات المصرية القناة، سقط المفهوم في ساعات في شهادات قادة مثل دافيد إليعازر (رئيس الأركان آنذاك)، وُصفت اللحظات الأولى بأنهاانهيار تقديري كامل"

 لجنة أجرانات: اعتراف رسمي بالفشل

بعد الحرب،شكلت إسرائيل لجنة تحقيق رسمية عُرفت باسم "لجنة أجرانات".نتائجها كانت صادمة:— فشل استخباراتي جسيم  — ثقة مفرطة بعد 1967  — تجاهل تحذيرات مبكرة — قصور في تقدير نوايا مصر وسوريا  لم تتهم اللجنة الجنود، بل القيادة العسكرية العليا وهنا حدث ما لم يحدث في العالم العربي غالبًا: إقالات واستقالات على أعلى مستوى

 الاعتراف بقدرة الجيش المصري

في مذكرات قادة إسرائيليين،وُصفت القوات المصرية يوم العبور بأنها:— منظمة بدقة  — مدربة على عمليات محددة  — تعمل بانضباط ناري عالٍ — تستخدم الصواريخ المضادة للدبابات بفاعلية مذهلة  حتى أن بعض التقارير قالت:المشاة المصريون قاتلوا بكفاءة لم نرها من قبل."الصدمة لم تكن فقط في العبور، بل في طريقة القتال

 كابوس الصواريخ

أكبر مفاجأة لإسرائيل لم تكن القناة،بل السماء.شبكة الدفاع الجوي المصرية قيّدت سلاح الجو الإسرائيلي بشدة في الأيام الأولى في تقارير سلاح الجو الإسرائيلي،وُصف الوضع بأنه:بيئة قتالية لم نعتد عليها."هذا هو ما غيّر حساباتهم سريعًا

كيف نظرت إسرائيل إلى حرب أكتوبر؟

قراءة من أرشيفهم وشهادات قادتهم

"في مصر تُسمى حرب أكتوبر…وفي إسرائيل تُسمى حرب يوم الغفران  اختلاف الاسم ليس مجرد ترجمة  بل اختلاف في الذاكرة بالنسبة للعرب كانت حرب استعادة الكرامة، أما في إسرائيل… فكانت صدمة وجودية هزّت ثقتهم في جيشهم ودولتهم

 الصدمة الأولى

قبل الحرب،كانت القيادة الإسرائيلية تعيش ما يسمى "مفهوم الأمن المطلق"الاعتقاد كان بسيطًا:العرب لن يهاجموا مصر لن تحارب بدون تفوق جوي وسوريا لن تتحرك وحدها

رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إيلي زعيرا كان مقتنعًا أن احتمال الحرب "منخفض جدًا" حتى قبل أيام من اندلاعها لكن ظهر يوم 6 أكتوبر 1973… انهارت هذه الفرضية في ساعات الجيش المصري يعبر القناة  خط بارليف يسقط والجيش الإسرائيلي يتراجع لأول مرة منذ 1967

 اعترافات القيادة الإسرائيلية

الصدمة لم تكن عسكرية فقط… بل نفسية أيضًاقال وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان لاحقًا:"كانت حرب أكتوبر زلزالًا هائلًا ضرب إسرائيل أما رئيسة الوزراء غولدا مائير فوصفت الحرب بأنها:كابوس سيلازمني طوال حياتي." وفي شهادات لاحقة لقادة إسرائيليين،أقرّ كثير منهم بأن:الجيش لم يكن مستعدًا الاستخبارات فشلت في تقدير نوايا مصر وسوريا لثقة الزائدة بعد 1967 كانت سبب الكارثة

 الفشل الاستخباراتي

بعد الحرب مباشرة،شكّلت إسرائيل لجنة تحقيق عُرفت باسم:لجنة أغرنات مهمتها كانت الإجابة عن سؤال واحد:كيف لم نرَ الحرب قادمة؟النتيجة كانت قاسية:فشل استخباراتي كبير

      تقديرات خاطئة للقيادة العسكرية تجاهل تحذيرات متعددة

حتى أن بعض التقارير أشارت إلى أن القيادة السياسية تلقت تحذيرات قبل الحرب لكنها لم تتخذ الإجراءات الكافية

 الاعتراف بالإنجاز المصري

في العديد من الدراسات العسكرية الإسرائيلية بعد الحرب،ظهر اعتراف واضح بقدرات الجيش المصري أحد الجنرالات الإسرائيليين وصف الهجوم المصري بأنه:"عملية هجومية مفاجئة عبقرية من حيث التخطيط والتنفيذ." كما أشار بعض الباحثين الإسرائيليين إلى أن العرب حققوا عدة إنجازات استراتيجية، منها كسر التفوق النفسي الإسرائيلي تغيير التوازن السياسي الدولي إجبار إسرائيل على التفكير في تسوية سياسية

 الدرس الذي لم ينسوه

ربما كان أهم ما خرجت به إسرائيل من الحرب ليس الخسائر العسكرية…بل الدرس الاستراتيجي

قبل 1973 كانت العقيدة الإسرائيلية تقوم على:الضربة الوقائية التفوق الجوي المطلق

      حرب قصيرة سريعة لكن بعد أكتوبر  بدأت مراجعة كاملة للعقيدة الأمنية تم التركيز على:الاستعداد الدائم للحرب المفاجئة تطوير الاستخبارات-بناء جيش احتياط أسرع تعبئة -لأنهم أدركوا أن المفاجأة التي حدثت في أكتوبر  يمكن أن تتكرر

 الحرب التي غيرت إسرائيل

في الوعي الإسرائيلي،أكتوبر ليست مجرد حرب…بل لحظة انهيار أسطورة-أسطورة أن الجيش الإسرائيلي لا يُهزم- أسطورة أن العرب غير قادرين على التخطيط المعقد-هذه الأسطورة انتهت يوم- عبرت القوات المصرية القناة حتى الصحافة الغربية وقتها أشارت إلى أن إسرائيل فقدت المبادرة في الأيام الأولى للحرب بعد الهجوم المصري المفاجئ 

حربان في الذاكرة

"التاريخ لا يُكتب مرة واحدة.في القاهرة… أكتوبر هي حرب النصر وفي تل أبيب… هيلكن الحقيقة التي يتفق عليها الطرفان حرب الصدمة  هي أن تلك الحرب غيّرت الشرق الأوسط… وغيّرت طريقة تفكير الجيوش في المنطقة

حرب أكتوبر في رمضان

كيف حققت مصر أحد أعظم انتصاراتها العسكرية؟

"في العاشر من رمضان عام 1393 هـ…لم يكن الصيام عائقًا، ولم يكن العدو مستعدًاعلى ضفاف قناة السويس، وقف جيش أعاد بناء نفسه بعد ست سنوات من الهزيمةست سنوات من التدريب،والخداع، والتخطيط الصامت ثم في لحظة واحدة…انطلقت المعركة التي غيّرت تاريخ الشرق الأوسط من الهزيمة إلى الاستعداد

كانت مصر تعيش واحدة من أصعب لحظاتها.بعد حرب 1967،سيناء تحت الاحتلال،الجيش يعيد بناء نفسه، والثقة مهزوزةلكن القيادة المصرية أدركت حقيقة مهمة:لا يمكن استعادة الأرض بدون إعادة بناء الجيش أولًا لذلك بدأت مرحلة طويلة من:إعادة التنظيم العسكري التدريب المكثف-تطوير الدفاع الجوي -تحديث الأسلحة وخلال هذه السنوات خاض الجيش المصري حرب الاستنزاف، التي أصبحت مدرسة حقيقية لإعادة تأهيل القوات

 التخطيط للحرب

مع بداية السبعينيات، بدأ التفكير الجدي في الحرب لكن المشكلة كانت واضحة:إسرائيل تمتلك تفوقًا جويًا كبيرًا-دبابات حديثة-خط دفاع قوي على القناة يسمى خط بارليف كان يُعتقد أنه خط دفاعي لا يمكن اختراقه بسهولة -لذلك احتاجت مصر إلى خطة مختلفة

الخطة اعتمدت على فكرة بسيطة لكنها عبقرية:عبور القناة بسرعة- وتدمير خط بارليف  والتمركز تحت حماية الدفاع الجوي لم يكن الهدف احتلال سيناء بالكامل فورًا، بل كسر التفوق الإسرائيلي وفرض واقع جديد

 خطة الخداع الاستراتيجي

واحدة من أعظم أسرار الحرب كانت خطة الخداع العسكري لعدة أشهر قبل الحرب:أجرت القوات المصرية تدريبات عبور متكررة

أعلنت تسريح بعض الجنود ظهرت تحركات عسكرية تبدو روتينية الإسرائيليون اعتادوا هذه التدريبات  حتى أصبحوا يعتقدون أنها مجرد مناورات وهكذا عندما بدأت الحرب فعليًا، لم تدرك القيادة الإسرائيلية في البداية  أن الهجوم حقيقي