أدوت سلفا كير... بين النفوذ العائلي وإعادة تشكيل السلطة
بقلم: سوكيري لوفوني
في 22 أغسطس/آب 2025، استقبل شعب جنوب السودان، الذي عانى طويلاً من الاستبداد والفقر المدقع في ظل نظام سلفا كير، نبأ تعيين ابنته، أدوت سلفا كير، مبعوثةً رئاسيةً للبرامج الخاصة، بشكوك كبيرة، وتساؤلات كثيرة عن نوايا الرئيس من وراء ما اعتبروه تعييناً غير دستوري يمنح ابنته فعلياً صلاحيات دستورية واسعة.
كانت تلك الشكوك في محلها. فبعد مرور عام تقريباً على تعيينها، باتت أهدافها أكثر وضوحاً. ويواصل الجنرال سلفا كير محاولاته لتبرير هذه الخطوة عبر سيل من المراسيم الرئاسية، لدرجة أن عددها الصادر خلال العام الماضي تجاوز، بحسب التقارير، عدد أيام السنة. وفي إطار هذه المهزلة، ظللنا نؤكد مراراً وتكراراً أن الدكتاتور سلفا كير ميارديت يشن حرباً سياسية ضد قادة الحركة الشعبية التاريخيين الذين أوكلوا إليه السلطة بعد وفاة مؤسس الحركة، الدكتور جون قرنق. ويبدو أن هدفه من ذلك هو ضمان عدم تكرار مثل هذا الانتقال السلس للسلطة.
في هذا السياق، يُمثل منصب المبعوث الرئاسي للبرامج الخاصة انقلاباً عائلياً ناعماً ضد هؤلاء القادة التاريخيين، وأيضاً ضد سلطة القبيلة المتجذرة بعمق في الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان ومؤسسات الدولة، في خطوة تشير إلى أن الجنرال سلفا كير ميارديت لم يعد يثق بهذه السلطة أو أعضائها، خاصة إذا نظر إلى الأمر من منظور من سيخلفه في نهاية المطاف، في ضوء المخاوف الصحية المتصاعدة التي تُلقي بظلال كثيفة من الشك حول مستقبله السياسي.
لفهم هذه الحجة بشكل أفضل، من الضروري تسليط الضوء على منصب المبعوث الرئاسي للبرامج الخاصة. عندها فقط يمكن إدراك الغموض الذي يكتنف قرار الرئيس سلفا كير بتعيين ابنته، لا سيما في ظل الحملات الإعلامية المنسقة من قبل كتّاب الرأي بالإنجليزية والعربية، الذين يسعون عبر مقالاتهم التضليلية إلى تصوير السيدة أدوت سلفا كير كقائدة كفؤة تستحق وراثة السلطة خارج الإطار الدستوري القائم. وقد عزز هذا اعتقادي بأن الجنرال سلفا كير يُدبّر بعناية فائقة انقلاباً عائلياً ناعماً، حيث إن معالم هذا المشروع الانقلابي تتضح دستورياً أكثر فأكثر، خاصة إذا نظرنا إليه من منظور النظام الرئاسي للحكم في جنوب السودان، القائم على اللامركزية الإدارية، والذي بموجبه يُمارس الوزراء مسؤولياتهم الدستورية تحت إشراف الرئيس. ومع ذلك، فقد عيّن الرئيس كير ابنته في منصب المبعوثة الرئاسية للبرامج الخاصة، مانحاً إياها فعلياً صلاحيات رئيسة وزراء غير مُعلنة، وهي الحقيقة التي باتت تتجلى رويداً رويداً.
بطبيعة الحال، سيختلف الكثيرون مع هذا التحليل، وهذا أمر صحي في أي نقاش سياسي. ومع ذلك، من المرجح أن تكشف الأشهر القادمة عن مدى دناءة الدسائس السياسية التي تجري في الخفاء كجزء من الجهود المبذولة لفرض أدوت سلفا كير على شعب جنوب السودان. ففي هذا السياق، يبدو إصرار النظام على إجراء الانتخابات في وقت لاحق من هذا العام خطوةً مهمة نحو الحفاظ على الإرث السياسي للجنرال سلفا كير من خلال ابنته. فمنذ توليها منصب المبعوثة الرئاسية الأولى للبرامج الخاصة، ركزت أدوت سلفا كير على توسيع نفوذها، مستعينةً في ذلك بنفوذ والدها، وشركة كروفورد كابيتال، التي تُوجَّه إليها اتهامات بالفساد.
إن تزايد تركز السلطة حول السيدة أدوت سلفا كير يُجسد، بما لا يدع مجالاً للشك، النفوذ المتزايد لشركة كروفورد كابيتال والأفراد المرتبطين بها داخل المؤسسات الحكومية الرئيسية. ورغم أن النظام قدّم هذه التطورات كجزء من الإصلاحات الإدارية وجهود التحديث، إلا أنها أثارت مخاوف متزايدة بشأن ظهور شبكة ذات نفوذ سياسي تمارس تأثيرها على قطاعات استراتيجية في الدولة. وقد أعرب مراقبون دوليون، بالمثل، عن قلقهم إزاء التغلغل المتزايد لشركة كروفورد كابيتال في مؤسسات الدولة وأنظمة الإيرادات العامة، محذرين من أن هذه التطورات تُطمس الخط الفاصل بين مصالح الشركات الخاصة والسلطة العامة، وتعزز في الوقت نفسه تصورات استيلاء الشركات على الدولة، وتضارب المصالح، وتمركز السلطة السياسية والاقتصادية في دائرة ضيقة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً برئاسة الجمهورية.
كغيري، ما زلت أتساءل عن ماهية هذه “البرامج الخاصة” المزعومة؟ ولماذا يتردد الرئيس سلفا كير في تفويض هذه المسؤوليات عبر الهياكل التنفيذية المعتادة في ظل النظام الرئاسي للحكم؟ يبدو أن الإجابة تشير إلى أزمة ثقة عميقة داخل المؤسسة الحاكمة في جنوب السودان. لقد أصبحت الثقة سلعة نادرة لدرجة أن الجنرال سلفا كير يعتقد أنها محصورة في أسرته المقربة ودائرة ضيقة من المخلصين المستفيدين من نظام تقاسم السلطة والثروة في البلاد، ممن يدعمون هذا المشروع السياسي الذي يتمحور حول العائلة.
وبعد مرور عام تقريباً على دخولها المعترك السياسي، تشير كل الدلائل إلى أن السيدة أدوت سلفا كير هي مشروع سياسي شخصي لوالدها، يتم إعدادها بوتيرة متسارعة منذ اليوم الأول من تعيينها مبعوثةً رئاسيةً لتنفيذ برامج الرئيس الخاصة في مختلف الوزارات والمؤسسات الحكومية، بهدف الوصول بها في نهاية المطاف إلى أعلى منصب قيادي في البلاد.
يتضح من المشهد السياسي الحالي أن الجنرال سلفا كير، بعد فشله في حكم البلاد وتسببه في تفاقم الفقر والصراع الداخلي والتفكك الوطني والتعصب القبلي، يسعى جاهداً، عبر استراتيجية الالتفاف على إرادة الشعب في التغيير، إلى فرض ابنته، أدوت سلفا كير، على شعبنا، بصفتها الوريثة الشرعية لإرثه السياسي الدموي قبل فوات الأوان.
هذا المخطط الخبيث يحظى بدعم من أصحاب الأقلام المأجورة مثل عمر إسحاق وآخرين، بالإضافة إلى عصابة من الانتهازيين المنافقين والقبليين المتعصبين من فلول الحركة الشعبية لتحرير السودان في الحكومة، الذين يبذلون جهوداً حثيثة لتلميع صورة السيدة أدوت سلفا كير، متجاهلين مزاعم الفساد التي لا تزال تلاحقها. وفي الوقت نفسه، يسعون إلى تقديمها لشعبنا على أنها تمتلك العصا السحرية لإخراج جنوب السودان من الإخفاقات الكارثية التي رافقت حكم والدها.
باختصار، بالنسبة لمن يسعى إلى فهم حقيقة السيدة أدوت سلفا كير، فهي تمثل الوجه الجديد لفساد والدها المُقنّن، والمتجلي من خلال شركة كروفورد كابيتال التي تُعد أداة التمويل الرئيسية لأنشطتها، تحت غطاء العمل الإنساني الذي تستخدمه مؤسسة أدوت سلفا كير كأداة لتمرير أجندات سياسية. حيث إن كليهما يضفي طابعاً مؤسسياً على الفساد المُقنّن الذي تسعى من خلاله السيدة أدوت سلفا كير للوصول إلى أعلى منصب قيادي في البلاد بدعم من والدها.
هذا هو الانقلاب الأبيض الذي أشرت إليه سابقاً، والذي يُنفّذه الجنرال سلفا كير بعناية فائقة كجزء من استراتيجيته للخروج من الساحة السياسية بأقل قدر من الخسائر الشخصية. ويبدو، من إصراره على المضي في هذا المسار، أن همّه الأكبر ليس فشله في حكم جنوب السودان، بل حماية ثروة عائلته وممتلكاتها ونفوذه السياسي بعد ترك منصبه الحالي.
ختاماً، يبقى إعادة السلطة إلى الشعب والتخلي عن جميع الجهود الرامية إلى فرض أدوت سلفا كير على شعبنا هو المسار الصحيح، والذي إذا اختاره الجنرال سلفا كير، يمكن أن يرجح ذلك كفة الميزان لصالحه في المستقبل. فالحقيقة المُرّة التي أختم بها هي أن الجنرال سلفا كير، من خلال دكتاتوريته وسوء إدارته للدولة وإفقاره لشعبنا، بالإضافة إلى استشراء الفساد في عهده، وإثرائه نخبةً سياسيةً على حساب شعب منهك، قد حرر، منذ أمد بعيد، شهادة الوفاة السياسية لابنته أدوت سلفا كير. أما الباقي، فسوف يُترك لليوم الذي تنتصر فيه إرادة شعبنا.

