مظفر النواب يرحل بعدما أقلق طغاة العرب
الوكالة الكندية للانباء
بعد رحلة طويلة حافلة للغاية ومليئة بالإبداع والشعر والمطارات
والتعذيب والهروب، توفي الشاعر العراقي الكبير مظفر النّواب عن عمر ناهز 88 عاماً بإحدى
مستشفيات الإمارات
حيث توقف قلب الشاعر
العراقي مظفر النواب، الذى يعتبر النهر الثالث فى العراق بعد أن عاش منشدًا قصائده السياسية اللاذعة بصوت
يقف على حافة البكاء، متنقلًا بين السجون والمنافي: «هذا الوَّطَنُ المُّمّتَدُ مِنَ
البَحْرِ إلى البَحْر سُجُوْنٌ مُتَلاصِقَة. سَجانٌ يُمْسِكُ سَجان». رحلة طويلة شكل
من خلالها «البدوي الممعن في الهجرات»، وجدان أجيال متتالية من عشاق الشعر العربي،
بقصيدة مغرقة في الحزن، ترواغ البكاء، وتتكئ على ما يبدو تراثا من المرثيات الشيعية:
«لعلي يتوضأ بالسيف قبيل الفجر».
برز النواب كشاعر يعبر عن هموم وقضايا عربية حارقة كا يتناول
في قصائده بلغة شعرية لاذعة صراعات المنطقة، إذ لم يركز شعره على العراق وحده الذي
كتب فيه بالعامية العراقية قصائد ساحرة ومؤثرة، بل تناول أحوال العالم العربي في أشعاره
التي حفلت بروح التمرد والثورة على الديكتاتورية والسلطوية.
إنحاز النواب لقضايا الفقراء والبسطاء والعدل ومناهضة الاستغلال
والاستعمار وأنظمة الحكم السائدة، ما عرضه للغضب داخل وخارج وطنه واضطر لاحقاً للعيش
منفياً في غربته التي ناهزت نصف قرن تقريباً.
اشتهر بقصائده الثورية القوية والنداءات اللاذعة ضد الطغاة
العرب، وأثارت قصائده المشاعر ضد الأنظمة القمعية والفساد السياسي والظلم، مستخدماً
في ذلك لغة شديدة القسوة حتى أنه استخدم ألفاظأ نابية من حين لآخر، ما فاقم من عداوة
الكثير من الأنظمة له.
تريات ليلية، القدس عروس عروبتكم، الرحلات القصية، المسلخ الدولي وباب الأبجدية، بحار البحارين، قراءة في دفتر المطر، الاتهام، بيان سياسي، رسالة حربية عاشقة، اللون الرمادي، في الحانة القديمة، جسر المباهج القديمة، ندامى، اللون الرمادي، الريل وحمد، أفضحهم، زرازير البراري.
حياة «النواب»، حملت الكثير من التقلبات، فمن نشأة أرستقراطية،
لعائلة تعود أصولها لسلالة الإمام موسى بن جعفر الكاظم، أحد أئمة الشيعة الأثنى عشر،
إلى شاعر يعد صوت الفقراء والمهمشين، ليظل رهين السجن والمنفى أغلب فترات حياته. في
العشر سنوات الأخيرة، جرى تداول شائعة وفاة «النواب» أكثر من مرة، وخرج في أحدها ساخرا
من مروجي الشائعة وطمأن في اتصال مع صحيفة لندنية، محبيه بأبيات من المتنبي: «كمْ قد
قُتِلتُ وكم قد متُّ عندَكُمُ/ ثمّ انتَفَضْتُ فزالَ القَبرُ وَالكَفَنُ/ قد كانَ شاهَدَ
دَفني قَبلَ قولهِمِ/ جَماعَةٌ ثمّ ماتُوا قبلَ مَن دَفَنوا».
ولد مظفر النواب في بغداد-جانب الكرخ في 1934 لعائلة شيعية
أرستقراطية من أصل هندي كانت تقدر الفن والشعر والموسيقى، وأظهر موهبة شعرية منذ سن
مبكر، وأكمل دراسته الجامعية في كلية الآداب- جامعة بغداد وأصبح مدرسًا، لكنه طرد لأسباب
سياسية عام 1955 وظل عاطلاً عن العمل ثلاث سنوات في وقت صعب على أسرته التي كانت تعاني
وقتها من ضائقة مالية، لكن بعد قيام ثورة 1958 عيّن مفتشاً فنياً بوزارة التربية في
بغداد.
في 1963، اضطر الشاعر، إلى مغادرة العراق، بسبب المضايقات
التي فرضها القوميون على الشيوعيين، وهرب إلى إيران عن طريق البصرة، قبل أن تسلّمه
السلطات الإيرانية إلى الأمن السياسي العراقي وهو في طريقه إلى روسيا ويودع في سجن
«نقرة سلمان» الشهير جنوبي العراق.
حُكم على النوّاب حينها بالإعدام، لكن خُفف حكمه إلى السجن
مدى الحياة، حيث انتهى به المطاف بسجن الحلة في وسط العراق. قام مظفر النواب ومجموعة
من السجناء السياسيين بحفر نفق من الزنزانة يؤدي إلى خارج أسوار السجن.
وبعد نجاحه في الهروب، توجه «النواب» إلى منطقة الأهوار في
جنوب العراق، وعاش مع الفلاحين والبسطاء حوالي سنة، متوارياً عن الأنظار، وفي عام
1969 صدر عفو عن المعارضين فرجع إلى سلك التعليم مرة ثانية. قبل أن يغادر العراق أواخر
الستينيات إلى بيروت: «كان حفلاً أمميًا ودعي النفط/ ولم يدع العراق/ يا إلهي، رغبة
آخرى إذا وافقت/ أن تغفر لي بعد أمي/ والشجيرات التي لم أسقها منذ سنين».
عرف مظفر النواب في أوائل السبعينيات بشعره السياسي حيث كان
ينتقد بقوة الأنظمة العربية، ما جلب له العديد من المشاكل وجعله يعيش في المنفى أكثر
من 40 عاما، فعاش في دمشق والقاهرة وبيروت والجزائر والخرطوم وسلطنة عمان وإريتريا
وفيتنام وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
في عام 2011 اعاد لشاعر العراقي الكبير إلى بلاد الرافدين
بعد فراق أكثر من 40 عاما واستقبله بشكل رسمي الرئيس العراقي الأسبق جلال طالباني المعروف
بعلاقاته مع الشعراء قبل أن يعود ويغادره وبقي طيلة أكثر من عقد يعاني من مرض عضال.
