على النقيض فى الدول العربية امريكا اللاتينية تنتفض ضد الأوضاع في غزة

 



لا يزال الدعم التقليدي للقضية الفلسطينية في دول أميركا اللاتينية قويًا بشكل عام خصوصًا مع انخراط البرازيل في محاولة التوصل إلى حلّ سلمي للحرب الدائرة بين إسرائيل وحماس، رغم التباينات في المواقف السياسية بين اليمين واليسار.

 أثارت مواقف بعض الدول اللاتينية ضد ما تفعله إسرائيل في قطاع غزة، إعجاب كثيرين من المواطنين العرب، الذين تحسروا على مواقف بلادهم تجاه ما يحدث واكتفائهم ببيانات الشجب والإدانة التي لا تعير لها تل أبيب أي اهتمام.

دخل التصعيد غير المسبوق بين حماس وإسرائيل، اليوم الأربعاء، يومه الـ 25 دون أن تستطيع المساعي الدولية ودعوات الأمم المتحدة تحقيق وقف لإطلاق النار.

وكان الهجوم غير المسبوق لحركة حماس على إسرائيل، والرد الإسرائيلي العنيف عليه بالقصف المركز على قطاع غزة ثم الهجوم البري على القطاع، قد تسبّب بمقتل أكثر من 8 آلاف فلسطيني وإصابة أكثر من 20 ألف آخرين، فيما قتل من الجانب الإسرائيلي حوالي 1400 وأسر أكثر من 200 رهينة لدى حماس.

ولكن بشكل عام، لا يزال الدعم التقليدي للقضية الفلسطينية في دول أمريكا اللاتينية قويا، حيث عبرت عنه بعض الدول أما بقطع العلاقات أو استدعاء السفراء احتجاجا على الحرب العنيفة التي تشنها إسرائيل على غزة.

وأثار ذلك كثيرون من مواطني الدول العربية، الذين يرون أن الدول اللاتينية أحرجتهم بمواقفها الشجاعة ولم تكتف فقط بتقديم مساعدات أو إصدار بيانات الشجب والإدانة التي لا تستجيب لها إسرائيل.

في هذا التقرير نلقي الضوء على أبرز مواقف الدول اللاتينية تجاه ما يحدث في قطاع غزة.



بوليفيا تقطع علاقاتها بإسرائيل

أعلنت بوليفيا، أمس الثلاثاء، أنها قررت قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بسبب ارتكاب "جرائم حرب ضد الإنسانية" في قطاع غزة.

وقال نائب وزير الخارجية البوليفي، فريدي ماماني، في مؤتمر صحفي: "قررت بوليفيا قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل".

وأضاف: "سيتم إبلاغ إسرائيل رسميا بهذا القرار من خلال القنوات الدبلوماسية المنشأة بين البلدين بما يتفق مع ميثاق الأمم المتحدة".

وتابع: "بوليفيا تدين الأعمال العدوانية الإسرائيلية في قطاع غزة، وتعتبرها تهديدا للسلام والاستقرار الدوليين".

واعتبرت السلطات البوليفية أن إسرائيل ترتكب "جرائم حرب ضد الإنسانية" في قطاع غزة، داعية إلى وقف الهجوم الإسرائيلي.

بدورها، رحبت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقرار، مؤكدة أنه يعكس حقيقة الموقف البوليفي المتضامن مع حقوق الشعب الفلسطيني والرافض لرؤية هذه المجازر التي ترتكب بحقه.

كما أشادت "حماس" بالموقف الشجاع لحكومة بوليفيا، وجددت دعوتها للدول العربية والإسلامية المطبّعة بقطع كافة علاقاتها مع إسرائيل، انتصاراً لقيم الإنسانية، ورفضاً لما يقترفه هذا "الكيان المجرم" بحق الأطفال والمدنيين العزّل.


تشيلي وكولومبيا تستدعيان سفيريها لدى إسرائيل

أعلنت كل من كولومبيا وتشيلي المجاورتين لبوليفيا استدعاء سفيريهما في تل أبيب للتشاور بسبب التصعيد في قطاع غزة.

وأعلن رئيس تشيلي، غابرييل بوريك، اليوم الأربعاء، استدعاء سفير بلاده لدى إسرائيل وذلك "لانتهاكاتها للقانون الدولي الإنساني في قطاع غزة".

وقال بوريك، في منشور عبر منصة "إكس": "أمام الانتهاكات غير المقبولة للقانون الدولي الإنساني التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة، قررنا كحكومة تشيلي استدعاء سفير تشيلي في إسرائيل، خورخي كارفاخال، للتشاور في سانتياغو".

وأضاف: "تدين تشيلي بشدة وتشعر بقلق كبير إزاء أن هذه العمليات العسكرية - التي في هذه المرحلة من تطورها تشكل عقوبة جماعية للسكان المدنيين الفلسطينيين في غزة - ولا تحترم القوانين الأساسية للقانون الدولي، كما يظهر ذلك في أكثر من ثمانية آلاف ضحية مدنية، معظمهم من النساء والأطفال".

أما الرئيس الكولومبي جوستابو بيترو فقد وصف الهجمات الإسرائيلية في منشور على موقع "إكس"، بأنها "مذبحة للشعب الفلسطيني".

البرازيل والمكسيك تدعوان إلى وقف إطلاق النار

دعت دول أخرى مجاورة في أمريكا اللاتينية، مثل المكسيك والبرازيل، في الآونة الأخيرة إلى وقف إطلاق النار.

يشار إلى أن البرازيل تتولى حاليا الرئاسة الدورية لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وقال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الجمعة الماضية، إن "ما يحدث الآن هو جنون من رئيس وزراء إسرائيل الذي يريد محو قطاع غزة".

وأضاف دا سيلفا "أن ترتكب حماس عملًا إرهابياً ضد إسرائيل لا يعني أن على إسرائيل أن تقتل ملايين الأبرياء".

وأكد "دوري هو العمل من أجل أن تكون المفاوضات ممكنة" بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار. لكن محاولته في تمرير قرار في مجلس الأمن بشأن النزاع الفلسطيني الإسرائيلي باءت بالفشل.

وتتخذ المكسيك كذلك موقفا مماثلا للموقف البرازيلي، حيث قال الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيس أوبرادور، في هذا الصدد "لا نريد أن ننحاز إلى أي طرف لأننا نريد أن نكون عاملًا في البحث عن حل سلمي".

فنزويلا اتهمت إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية

أكد وزير الخارجية الفنزويلي، إيفان خيل في بيان صدر عنه، فجر اليوم الأربعاء، رفض بلاده القاطع للإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني من قبل إسرائيل، والهجوم الجديد على مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة، الذي استشهد وجرح فيه المئات من المدنيين.

وأضاف: "تدين فنزويلا مرة أخرى الانتهاك المنهجي لمبادئ القانون الإنساني الدولي، وعدم مراعاة وتجاهل اتفاقيات جنيف من قبل دولة الاحتلال، الأمر الذي يشكّل جريمة حرب تتطلب تحقيقا دوليا مستقلا لتحديد المسؤولين عنها".

وجددت فنزويلا دعوتها للتوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار، ووقف الفظائع التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين، والبحث عن حلول فورية استنادا لقرارات الشرعية الدولية من أجل إحلال السلام.

4 دول لاتينية تتضامن مع إسرائيل

وعلى عكس أغلب دول أمريكا اللاتينية، أعربت الباراغواي والأوروغواي والإكوادور، وهي جميعها (دول يديرها اليمين)، عن تضامن أكبر مع إسرائيل.

وفي الأرجنتين التي يرأسها ألبرتو فرنانديز (وسط يسار) والتي تضمّ أكبر عدد من اليهود في أمريكا اللاتينية ويبلغ عددهم نحو 250 ألف شخص، عُرضت صور لبعض الرهائن الذين احتجزتهم حماس في غزة مطالبة بالإفراج عنهم.

يعتبر الموقف السائد في الدول اللاتينية هو إدانة هجمات حماس ولكن دون دعم الإجراءات غير المتناسبة التي تتخذها إسرائيل.

حيث نددت معظم الدول في أمريكا الجنوبية بالهجمات الإسرائيلية على غزة، وأدانت مقتل المدنيين الفلسطينيين.

كما دعت الدول إلى وقف إطلاق النار، وحثت على مرور المساعدات الإنسانية إلى القطاع، واتهمت إسرائيل بانتهاك القانون الدولي.

وتعترف معظم دول أمريكا اللاتينية بالأراضي الفلسطينية كدولة ولديها مكاتب دبلوماسية في رام الله بالضفة الغربية المحتلة.

ويشهد قطاع غزة قصفا إسرائيليا كثيفا، منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، بعدما أعلن القائد العام لـ"كتائب عز الدين القسام" الجناح العسكري لحركة "حماس" الفلسطينية، محمد الضيف، بدء عملية "طوفان الأقصى" لوضع حد "للانتهاكات الإسرائيلية"، بحسب قوله.

وتمكنت حركة "حماس" من أسرِ عدد من الإسرائيليين بينهم جنود وضباط، والعودة بهم إلى قطاع غزة.

وأعلن بعدها الجيش الإسرائيلي بدء عملية "السيوف الحديدية"، وشن غارات قوية على قطاع غزة، بالإضافة إلى اشتباكات مع مقاتلي "حماس" داخل المستوطنات.

كما أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن "المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينيت)، صادق رسميا على بدء الحرب على قطاع غزة، ردا على إطلاق حركة "حماس" الفلسطينية عملية "طوفان الأقصى".

وفي المقابل، تشن الطائرات الإسرائيلية غارات على مواقع "حماس" في قطاع غزة، فيما أعلنت الحكومة الإسرائيلية، يوم 8 أكتوبر الجاري، تفعيلها للمادة 40 من القانون الأساسي، ما يعني دخول البلاد رسميا في حالة حرب.

دور الأقليات العربية واليهودية في أمريكا اللاتينية:

طبقاً للإحصاءات المتوفرة فإن عدد اليهود في أمريكا اللاتينية يبلغ نحو 470 ألفاً، يتمركز أغلبهم في الأرجنتين والبرازيل والمكسيك، ويمكن أن يتناقصوا إلى 460 ألفاً سنة 2050 على الرغم من الزيادة السكانية في تلك البلدان، خصوصاً إذا تواصلت وتيرة هجرتهم الحالية إلى “إسرائيل” على حالها.[27]

وقد تأثرت العلاقات الإسرائيلية مع أمريكا اللاتينية بموجة التوجه نحو اليسار التي أشرنا إليها، وقد اجتاحت هذه الموجة التي أطلق عليها موجة المد الزَهري Pink Tide في الفترة من 1999–2020 دولاً مهمة كالبرازيل، وفنزويلا، والأرجنتين و12 دولة أخرى، وتصنف حكومات 8 دول في أمريكا اللاتينية حالياً بأنها من حصاد هذه الموجة.[28] وبالرغم من تلكؤ هذه الموجة في بدايات العقد الثاني من القرن الحالي، إلا أن الموجة عادت للظهور في الفترة من 2018–2020 في المكسيك، وبنما، والأرجنتين، وبوليفيا، وتشكل هذه التحولات عائقاً أمام تنامي دور “إسرائيل” أو اللوبي اليهودي،[29] ناهيك عن الموقف الكوبي المعروف بموقفه المعادي لـ”إسرائيل” منذ الستينيات من القرن الماضي.

وتحاول جماعات الضغط الإسرائيلية لجم التيار اليساري المساند للقضية الفلسطينية، ويبرز في هذا النطاق الاتحاد الإسرائيلي البرازيلي Confederação Israelita do Brasil، والرابطة الأرجنتينية الإسرائيلية المشتركة Asociación Mutual Israelita Argentina، ومفوضية الروابط الإسرائيلية الأرجنتينية Delegación de Asociaciones Israelitas Argentinas، وجمعية الجالية اليهودية في تشيلي Comunidad Judía de Chile.

 أما الجاليات العربية فتتباين أرقام مختلف المصادر حول أعدادهم وبشكل كبير، إذ تتراوح التقديرات ما بين 13–30 مليون نسمة،[30] أغلبهم من أصول لبنانية، وسورية، وفلسطينية إلى جانب عرب آخرين، ويبلغ عدد الفلسطينيين نحو 600 ألف، معظمهم في تشيلي (300 ألف)، والسلفادور (نحو 100 ألف)، وهندوراس (نحو 80 ألفاً)، والبرازيل (نحو 50 ألفاً)، وهو ما يقارب عدد اليهود (450–500 ألف نسمة). لكن مستوى التنسيق بين اليهود أكثر تماسكاً من العرب، كما أن الطبقة العليا من العرب هي أقرب إلى التيارات اليمينية، مما يجعلها أقل اعتناء بالموضوع الفلسطيني، وقد استثمرت منظمة التحرير في فترة “المد الزَّهري” التحولات السياسية، لكن تراجع النشاط الديبلوماسي لمنظمة التحرير خصوصاً بعد اتفاق أوسلو Oslo Accords أضعف هذا النشاط على الرغم من التحولات اليسارية التي تواصلت بعد الاتفاق.

وتعدُّ الجالية الفلسطينية في تشيلي الأكثر نشاطاً خصوصاً بعد الانتفاضة الثانية، حيث ظهر عدد من هيئات المجتمع المدني مثل مؤسسة فلسطين بيلين 2000 أو Fundación Palestina Belen 2000، والاتحاد الفلسطيني Federación Palestina، والمجموعة البرلمانية الفلسطينية التشيلية The Chile-Palestine Inter-Parliamentary Group، وقد وقع نحو 600 من الأكاديميين البرازيليين والتشيليين سنة 2016 على عرائض تطالب بالامتناع عن التعاون مع “إسرائيل”، بعد جهود قامت بها هيئات مختلفة خصوصاً مع حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي دي أس) Boycott, Divestment and Sanctions (BDS) campaign، كما أن استطلاعات الرأي بين الطلاب الأمريكيين اللاتينيين من غير العرب تشير إلى نسب مهمة تتراوح بين 56–64% من هؤلاء الطلاب يطالبون بوقف التعاون مع جامعات إسرائيلية، كما تشير عدد من الدراسات إلى ضرورة تركيز النشاط السياسي العربي على دور شركات الأمن الخاصة الإسرائيلية في مجتمعات الدول الأمريكية اللاتينية.[31]

تتمثل القوى السياسية المساندة لـ”إسرائيل” في البنية السياسية لأمريكا اللاتينية في ثلاث قوى هي: الإنجيليون، والتيارات اليمينية العسكرتارية، وجماعات الضغط اليهودية. وتقابل هذه القوى معارضة لـ”إسرائيل” من التيارات اليسارية ومن النخب الثقافية، وعلى الرغم من الثقل الكبير للدور الأمريكي في هذه المنطقة، فإن دور التجارة الإسرائيلية، ومبيعات السلاح، ودعم التيارات اليمينية، وتوظيف الشركات الأمنية الخاصة،[32] كلها عوامل تعزز من النفوذ الصهيوني هناك.

على التيار المقاوم أن يضع استراتيجية للتعامل مع هذه المنطقة على الأسس التالية:

1. مدّ الجسور مع التيارات اليسارية في أمريكا اللاتينية خصوصاً أن لهذه التيارات قاعدة جماهيرية مهمة. ولعل في تبرئة القضاء البرازيلي للرئيس البرازيلي السابق لويس لولا دا سيلفا Lulada Silva Luiz من تهمة الفساد في آذار/ مارس 2021، ما يفتح المجال أمام احتمال عودته للمنافسة على الرئاسة في الانتخابات البرازيلية القادمة سنة 2022.[33] وهو ما يستوجب حشد أصوات البرازيليين من أصول عربية لمساندته لمواجهة الرئيس بولسونارو الأكثر تأييداً لـ”إسرائيل”.

2. العمل على تنظيم جماعات الضغط والاتحادات العربية ودعمها، خصوصاً في أماكن تمركز الجاليات العربية، والتواصل معها، والاسترشاد بتصوراتها لكيفية التعامل مع دول ومجتمعات أمريكا اللاتينية، بحكم الخبرة الطويلة للهيئات العربية المقيمة هناك.

3. من الضروري زيادة الدراسات المتخصصة في متابعة النشاط السياسي والاقتصادي والعسكري الإسرائيلي في هذه المنطقة، لوضع أسس استراتيجية التعامل مع هذه المنطقة على أسس علمية.