إحتجاح طائفة "الماورى بنيوزلندا ضد قانون يقلص من حقوقهم



 فتحى الضبع 

تتمتع نيوزيلندا بتاريخ غني ومثير للاهتمام، يعكس مزيجًا كلاسيكيًا من ثقافة الماوري والثقافة الأوروبية. واليوم، أصبحت نيوزيلندا دولة مستقلة داخل الكومنولث البريطاني. وهذا يعني أنه على الرغم من أن الدولة تخضع للملكية البريطانية؛ فإن نيوزيلندا لديها تنظيمها الديناميكي للحكومة. الماوري هم شعب تانجاتا وينوا، وهم السكان الأصليون لنيوزيلندا. لقد أتوا إلى نيوزيلندا قبل أكثر من 1000 عام من بلدهم البولينيزي الأسطوري هاوايكي. يشكل الماوري اليوم 14% من سكاننا، ويعتبر تاريخهم ولغتهم وعاداتهم مفتاحًا لشخصية نيوزيلندا. وبصفتك ضيفًا على نيوزيلندا، يمكنك تجربة ثقافة الماوري من خلال زيارة ماراي في جولة منظمة، أو مشاهدة معرض للقص أو النسيج أو التعرف على الخيالات والأساطير الجذابة من أدلة الماوري المتحمسين.

وصلت مسيرة احتجاجية يُقدَّر أنها واحدة من أكبر المسيرات في تاريخ نيوزيلندا إلى البرلمان يوم الثلاثاء، حيث غمرت الساحة بالغناء في عرض للوحدة ضد مشروع قانون مثير للجدل يسعى إلى إعادة تفسير المعاهدة التأسيسية للبلاد بين الماوري والدولة، وفقا لصحيفة "الجارديان" البريطانية.

وقالت الشرطة، إن نحو 42 ألف شخص شاركوا في المسيرة، فيما كان على الأرجح أكبر احتجاج على الإطلاق في نيوزيلندا لدعم حقوق الماوري.

وأوضحت الصحيفة، أنه إذا تم إقراره كقانون، فإن مشروع قانون مبادئ المعاهدة من شأنه أن يغير جذريا الطريقة التي يتم بها تفسير معاهدة وايتانجي، والمعاهدة هي اتفاقية تم توقيعها في عام 1840 بين أكثر من 500 من زعماء الماوري والتاج وهي مفيدة في دعم حقوق الماوري.

وقالت الجارديان، إن مشروع القانون هو سياسة رائدة لحزب العمال الليبرالي - والذي يشكل جزءًا من الحكومة الائتلافية - ويسعى إلى التخلص من المبادئ الراسخة لصالح مبادئه المعاد تعريفها.


ومع وصول المجموعة الأولى من المتظاهرين إلى البرلمان قبل منتصف النهار بقليل، امتدت الحشد حوالي 2 كيلومتر عبر المدينة، ملوِّنًا أفق المدينة باللون الأحمر والأبيض والأسود للعلم الوطني للماوري، وحمل المتظاهرون لافتات تدعو الحكومة إلى احترام المعاهدة و"قتل مشروع القانون"، بينما اندلع الغناء والهاكا بينما تحرك الناس في الشوارع.

وقال إرو كابا كينجي، الذي أصبح وجه حركة الاحتجاج، للحشد: "لقد ولدت أمة الماوري اليوم. أتمنى أن يدرك كل واحد منكم الذين انضموا إلى هذه

 اجتاحت مواقع التواصل فيديوهات لنواب أستراليين غاضبين ينحدرون من جذور شعب الماوري، يعترضون على محاولات أستراليا لإعادة كتابة اتفاقيات سياسية قديمة بين أسلافهم والبريطانيين. يعيش شعب الماوري في نيوزيلندا، حيث تشكل هذه الأرض المعروفة بجبالها الخضراء وبحيراتها الزرقاء العميقة مركزاً روحياً وثقافياً للماوريين.

نشأ الماوريون في جزر بولينيزيا قبل أن يبحروا إلى نيوزيلندا قبل حوالي ألف عام، مستندين إلى تقاليد ملاحية مذهلة قادتهم عبر المحيط الهادئ. عُرفت نيوزيلندا بأرض "أوتياروا"، والتي تعني أرض السحابة البيضاء الطويلة، وفيها وجد الماوريون موطناً أبدياً حيث استقروا وتشكّلت ثقافتهم الغنية.

التاريخ الماوري مليء بأساطير تتحدث عن الآلهة والأرواح، حيث كان للماوريين نظام ديني متشابك، تتعدد فيه الآلهة التي ترمز للطبيعة، مثل تانغارو إله البحر ورونغو إله السلام. كانت هذه الآلهة تمثل روح التوازن، إذ يؤمن الماوريون أن الأرض والماء والغابات مقدسة ويجب احترامها. كان نظام التابو، الذي يعني المحرمات، جزءاً أساسياً من عقيدتهم، حيث يحدد ما يُسمح به وما يُمنع حفاظاً على حرمة الأشياء المقدسة.

في القرن التاسع عشر، حين جاء المبشرون الأوروبيون، اعتنق عدد كبير من الماوريين المسيحية، إلا أنهم واصلوا الحفاظ على الكثير من معتقداتهم الروحية التقليدية، ليتكون لديهم مزيج فريد بين المسيحية والماورية.

تطور المجتمع الماوري مع مرور الوقت، ولكنه واجه تحديات كبيرة مع وصول المستوطنين الأوروبيين. في عام 1840، وُقِّع اتفاق وايتانغي بين زعماء الماوري والمملكة البريطانية، مُعلناً حقوقاً سياسية للماوريين. إلا أن الخلافات حول بنود الاتفاق أدت لاحقاً إلى حروب ومشكلات متكررة على مدى عقود. امتدت آثار الاستعمار إلى الثقافة واللغة الماورية، حيث تعرضت للطمس والإهمال، ما أدى إلى تراجع مكانة اللغة وانتقال عدد كبير من الماوري إلى المدن الكبيرة في سعيٍ للاندماج في المجتمع الاستعماري الحديث.

الجغرافيا الطبيعية لنيوزيلندا، بأراضيها الخصبة ومواردها الوفيرة، كانت من عوامل بقاء المجتمع الماوري قوياً رغم محاولات السيطرة. فقد طور الماوري أساليب زراعية مميزة اعتمدوا فيها على فهمهم العميق للطبيعة، واعتبروا الأرض جزءاً من إرثهم الروحي، مما منحهم صلة وثيقة بالطبيعة حافظت على تماسكهم الثقافي.

مع تطور المجتمع الحديث، انتقلت هذه الروابط الروحية من حقل الزراعة إلى الفنون والحرف، حيث بدأ الماوريون بتطوير الفنون التقليدية مثل نحت الخشب، الوشم، ورقصة الهاكا، التي أصبحت رمزاً للهوية الماورية. رقصة الهاكا على وجه الخصوص لها معنى رمزي عميق، حيث تُعبر عن القوة والشجاعة، وتُستخدم اليوم في المناسبات الرياضية والمهرجانات الثقافية لتعريف العالم بهذا التراث العريق.

سياسياً، يواصل الماوريون السعي للحفاظ على حقوقهم وتعزيز حضورهم. في البرلمان النيوزيلندي اليوم، توجد مقاعد مخصصة للماوري، حيث يُمثلون في مناصب مختلفة. الحكومة النيوزيلندية تبذل جهوداً لتعزيز الاندماج، خاصةً في مجالات التعليم والرعاية الصحية، لضمان حصول المجتمع الماوري على فرص متساوية. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات، إذ يعاني الماوريون من معدلات مرتفعة في الفقر والبطالة مقارنة بباقي المجتمع النيوزيلندي، ما يجعل تحقيق المساواة هدفاً بعيداً يحتاج لمزيد من العمل الجاد.

دينياً، يحتفظ الماوريون بمعتقداتهم الروحية ويجتمعون حولها، حيث تعتبر الوايروا (الروح) مركزاً رئيسياً في ديانتهم، وهي ترتبط بكل مكونات الطبيعة. وبينما تحول كثيرون إلى المسيحية، يبقى النظام الروحي التقليدي أساساً لأجزاء من مجتمعهم، حيث يستمدون منه القوة والحكمة في مواجهة الحياة.

على الرغم من هذه التحديات، يعمل الماوريون اليوم على استعادة وتعزيز تراثهم الثقافي. تتبنى المدارس برامج تعليمية تُدرّس اللغة الماورية، وتُقام مهرجانات ثقافية سنوية تُحيي الفنون والتقاليد القديمة. وفي السنوات الأخيرة، بات إحياء الهوية الماورية محط اهتمام عالمي، حيث يزور نيوزيلندا الكثير من السياح للاطلاع على التراث الماوري، ما يساهم في تمكين الماوريين وتعزيز ثقافتهم محلياً ودولياً.

أما في المستقبل، فمن المتوقع أن تستمر الثقافة الماورية في الازدهار. قد يشكل تحدي الحفاظ على الهوية في ظل العولمة أمراً صعباً، إلا أن روح الماوري القوية تسعى لتحقيق توازن بين الأصالة والانفتاح. من خلال التكنولوجيا ووسائل الإعلام، ينقل الماوريون قصصهم للعالم، ويؤسسون وسائل حديثة لتعليم لغتهم ونقل معرفتهم التقليدية للأجيال القادمة. ومع تعاظم تأثير الهوية الماورية، يتبنى المجتمع النيوزيلندي قيماً ماورية تعزز احترام الطبيعة وحماية البيئة، إذ تُستقى هذه القيم من إيمان الماوريين القديم بأهمية التناغم مع الكون.

 المسيرة اليوم ما التزمتم به اليوم. لقد التزمتم بمستقبل نعود فيه إلى واقع رانجاتيرا [زعمائنا].

لا يحظى مشروع القانون بدعم واسع النطاق ومن غير المرجح أن يصبح قانونًا. ومع ذلك، فقد أثار غضبًا واسع النطاق بين الجمهور والأكاديميين والمحامين وجماعات حقوق الماوري الذين يعتقدون أنه يخلق الانقسام ويقوض المعاهدة ويضر بالعلاقة بين الماوري والسلطات الحاكمة.

ستستمع لجنة العدل إلى المذكرات المقدمة بشأن مشروع القانون، والذي من المتوقع أن يستغرق ستة أشهر، وبعد ذلك سيعود إلى البرلمان للقراءة الثانية.