برغم المخاطر على النظام البيئي مصر تستهلك كميات كبيرة من البلاستيك وحملات ضعيفة للتخفيف من استخدامه
تشير عدة دراسات علمية حديثة إلى أن التلوث البلاستيكي يشكل تهديدا مباشرا على النظم البيئية للمحيطات والغابات وحتى على الأشخاص الذين يعتمدون على الموارد البحرية والزراعية لتأمين الغذاء والدخل المادي.
وأكدت دراسة أجراها البنك الدولي مؤخراً أن الفرد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يطرح في المتوسط أكثر من 6 كيلو غرامات من النفايات البلاستيكية في كل عام. ويعد البحر الأبيض المتوسط أحد المناطق الأكثر تلوثاً بالنفايات البلاستيكية في العالم.
القاهرة
فتحى الضبع
ويرتبط التلوث البلاستيكي وتغير المناخ ارتباطا وثيقا، إذ يمكن أن يغير التلوث البلاستيكي الموائل والعمليات الطبيعية عن طريق الحد من قدرة النظم البيئية على التكيف مع تغير المناخ، كما يمكن للتلوث البلاستيكي التأثير سلبا على سبل عيش الملايين من البشر وعلى فرص إنتاج الغذاء والتمتع بالرفاهية الاجتماعية.
ولا يزال التلوث البلاستيكي يكلف بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حوالي 0.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط كل عام، وفق بيانات صادرة عن الأمم المتحدة
ويشير بعض النشطاء في المجال البيئي الى قصور القوانين والسياسات البيئية في عدة دول عربية في مواجهة ارتفاع نسب النفايات البلاستيكية، وذلك بسبب عدم الالتزام بها في المقام الأول، ولكن يرى البعض أن هناك دولا عربية عدة بدأت بتطبيق قوانين لكبح جماح الارتفاع الكبير في طرح النفايات البلاستيكية.
ويقول رئيس اتحاد الجمعيات البيئية المختص في سياسات المناخ في الأردن، عمر شوشان لبي بي سي:" في السنوات الأخيرة، أصبحت مشكلة التلوث البلاستيكي على الأجندة الدولية والإقليمية، وقد اتخذت العديد من الدول العربية إجراءات قانونية للتصدي لهذه المشكلة، مثل حظر الأكياس البلاستيكية ذات الاستخدام الأحادي وفرض رسوم على البلاستيك وتعزيز إعادة التدوير وتشجيع الابتكار والبدائل البلاستيكية القابلة للتحلل".
وقد بدأت بعض الدول بفرض حظر على تصنيع وتداول واستيراد الأكياس البلاستيكية، مع تفاوت في التطبيق. وقامت بالفعل بعض الدول مثل المغرب بفرض الحظر بشكل كامل تقريبا على استخدام الأكياس البلاستيكية، مع توفير بدائل من أكياس مصنوعة من مواد ورقية.
لكن شوشان يرى أن المشكلة في المنطقة العربية تكمن في "عدم تطبيق القوانين" بسبب ضعف الجهات المختصة فنيا من جهة وضغوطات اقتصادية بسبب وجود أعداد كبيرة من العاملين في القطاعات الصناعية والتجارية.
ويضيف:"ما يزيد المشكلة تعقيدا حالة غياب الوعي الكافي لدى المجتمع العربي في المخاطر الصحية للتلوث البلاستيكي وعدم وجود قاعدة بيانات علمية توضح آثار التلوث البلاستيكي على الصحة العامة والضرر المتحقق على الأنظمة البحرية والبرية
تسعى مصر للحد من استهلاك البلاستيك خلال السنوات المقبلة عبر استراتيجية وطنية، تهدف إلى تخفيض التأثير السلبي للبلاستيك على الصحة والبيئة والاقتصاد والمجتمع، وتتطلع مصر لتخفيض استهلاك الأكياس البلاستيكية إلى 100 كيس للفرد في السنة بحلول عام 2025، و50 كيساً للفرد في السنة بحلول عام 2030.
وتشارك في تنفيذ الاستراتيجية مجموعة وزارات، هي: التجارة والصناعة، والبيئة، والتعاون الدولي، والصحة، والتنمية المحلية، والسياحة، والمالية، والتموين والتجارة الداخلية.
الدكتور أحمد توفيق، استشاري البيئة والتطوير المؤسسي، يقول لـ«الشرق الأوسط»: إن «التهديد البيئي الهائل الذي تشكله المواد البلاستيكية معترف به على نطاق واسع، إلا أن المجتمع العلمي أقل دراية بفرصة الطاقة الضائعة، فمع تراكم جبال العناصر البلاستيكية في مدافن النفايات، وتوقع الخبراء أنه سيكون هناك المزيد من البلاستيك في المحيط من حيث الوزن مقارنة بالأسماك بحلول عام 2050، فإن النفايات البلاستيكية تهدر أيضاً الطاقة».
ويتابع «يوجد البلاستيك في كل مكان على هذا الكوكب، من الصحاري وقمم الجبال إلى أعماق المحيطات وثلوج القطب الشمالي، وبلغة الأرقام فقد تراوحت اعتباراً من عام 2016 تقديرات الانبعاثات العالمية للبلاستيك في البحيرات والأنهار والمحيطات في العالم بين 9 و23 مليون طن متري سنوياً، مع انبعاثات مماثلة على اليابسة سنوياً، من المتوقع أن تتضاعف هذه التقديرات تقريبا بحلول عام 2025 إذا تم تطبيق سيناريوهات العمل المعتاد».
ووفقاً للأمم المتحدة، فإنه يتدفق نحو 11 مليون طن من النفايات البلاستيكية إلى المحيطات كل عام، وتأتي كمية كبيرة من هذه النفايات من الأكياس البلاستيكية.
ويرى توفيق، أن «الحكومة المصرية تبذل جهوداً على نطاق واسع لمواجهة تغير المناخ، كما أنها من الدول التي وقّعت على البروتوكولات المعنية بتغير المناخ، ولديها العديد من المبادرات التي تتبناها الحكومة والتي تهدف إلى حماية والحفاظ على البيئة (أو تقليل الأضرار الناجمة عن التغيرات المناخية)، وذلك ضمن مجموعة من المجالات ابتداءً من إدارة الطاقة والتوجه نحو استخدام الطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين، إلى إدارة النفايات والحد من استخدام البلاستيك إلى إطلاق الحكومة المصرية الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050م».
وتتبنى وزارة البيئة المصرية مبادرة لتشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة على إنتاج بدائل للأكياس البلاستيكية أحادية الاستخدام، للوصول إلى أقل استخدام من الأكياس البلاستيكية قبل منعها في عام 2030؛ انطلاقاً من أن تطوير تقنيات إعادة تدوير جديدة للبلاستيك سيخلق حوافز للاقتصاد الدائري، بحيث ستتم إعادة استخدام ما تم التخلص منه بدلاً من البلاستيك الخام.
وقد قدّر الباحثون، أن القيمة السوقية للبلاستيك المطمر تتراوح بين 4.5 مليار دولار و9.9 مليار دولار، أو 7.2 مليار دولار في المتوسط. وقد توصل العلماء في بريطانيا إلى إنتاج إنزيم يمكنه التهام المواد البلاستيكية.
ومن نماذج المشروعات المتناهية الصغر التي تدعم فكرة الحد من استخدام أكياس البلاستيك من خلال إنتاج أكياس صديقة للبيئة مشروع الفنانة الشابة يمنى عبد الهادي التي أطلقت منذ نحو سنتين علامة تجارية تهتم بإنتاج أكياس مطبوعة من القماش والكرتون، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «تخرجت في كلية العلوم جامعة القاهرة، وأدرك تماماً مخاطر استخدام الأكياس البلاستيك في ظل تزايد مخاطر تأثير النفايات البلاستيكية على البيئة، سواء كانت التربة، أو المياه، أو الهواء؛ فالنفايات البلاستيكية لا تتحلل إلا بعد مرور آلاف السنين، مما يسبب أضراراً كارثية على بيئة الغلاف الجوي وصحة البشر والحيوانات والنباتات».
تواصل جمعيات الحفاظ على البيئة البحرية، بالتنسيق مع أجهزة وزارة البيئة بمحافظة البحر الأحمر وعدد من مراكز الغوص، جهود القضاء على مشكلة انتشار المخلفات البلاستيكية من شواطئ الجزر البحرية والمحميات الطبيعية، في إطار الحفاظ على التنوع البيولوجى بهذه الشواطئ وأعماقها، بعد أن أصبحت المخلفات البلاستيكية من أخطر المهددات للحياة البحرية بالبحر الأحمر، والتى تمثل أهم عوامل الجذب السياحى لـ٥ ملايين سائح سنويًا. وأطلقت جمعيات المحافظة على بيئة البحر الأحمر عددًا من حملات تنظيف الشواطئ والأعماق والجزر، بمشاركة متطوعين مصريين وأجانب لجمع مخلفات ونفايات البلاستيك ومقذوفات البحر وإعلان شواطئ الجزر والمحميات خالية من البلاستيك.
قال الدكتور أشرف صديق، الباحث بمعهد علوم البحار بالغردقة، إن بقايا مخلفات البلاستيك من أكبر المخاطر التي تهدد البيئة البحرية، سواء للشعاب المرجانية أو الثدييات البحرية، إذ أصبح انتشار المخلفات والنفايات البلاستيكية الخطر الأكبر والأول الذي يهدد الأعماق والشواطئ، وهو ما جعل مسؤولى المحميات الطبيعية ومراكز الغوص وجمعيات المحافظة على البيئة يهتمون بهذا الشأن، بجانب تنظيم حملات نظافة وجمع المخلفات والنفايات والتخلص منها وإعادة الشاطئ لطبيعته، بمشاركة عدد من الغطاسين المصريين والأجانب المهتمين بالشأن البيئى والمناخى من العاملين بمراكز الغوص في حملة تنظيف لقاع وشاطئ البحر الأحمر.
تقدم النائب محمود عصام، عضو لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، باقتراح برغبة إلى المستشار الدكتور حنفي جبالي رئيس المجلس، موجه إلى كل من الدكتور رئيس مجلس الوزراء ووزير التنمية المحلية ووزير الري ووزير الصحة ووزير السياحة، بشأن تنظيم حملة توعية لمواجهة خطورة استخدام الأكياس البلاستيك.
وقال عصام: تتجه أغلب الدول المتقدمة حاليا لمنع استخدام الأكياس المصنعة من البلاستيك نهائيا واستبدالها بأكياس الورق، نظرا لمخاطرها الكبيرة على الصحة العامة والوضع الاقتصادي بشكل عام، حيث تتسبب هذه الأكياس في كوارث ضخمة جدا، منها انتشار أمراض مثل السرطانات وارتفاع أسعار الغذاء، بالإضافة إلى إضعاف الوضع الاقتصادي، وكذلك قد تؤدى إلى كوارث يروح ضحيتها أرواح عديدة.
وأضاف عضو مجلس النواب: لذلك تم منع استخدامها تماما في الاتحاد الأوروبي وعدد كبير من دول العالم، وكذلك في عدد من الدول العربية والإفريقية مثل المغرب، والأردن، والسودان وكينيا، متابعا أن تلك الأكياس تمثل كارثة كبيرة في مصر، لاسيما أن مصر تستخدم في السنة الواحدة 12 مليار كيس بلاستيك، وجزء من هذه الأكياس يتم إلقاؤه في الترع والمصارف وتتسبب في انسدادها، ما يكلف الدولة مبالغ هائلة للتطهير، مضيفا أن انسداد المصارف الزراعية يؤدى إلى ارتفاع ملوحة التربة، وبالتالي تقل إنتاجيتها وترتفع أسعار الغذاء.
وأضاف عصام أن هذه الأكياس تتسبب في انسداد شبكات الصرف الصحي، الأمر الذي يسبب كوارث في فصل الشتاء، مشيرا إلى أن الكارثة الأكبر هي أن ذلك الكيس البلاستيك لا يتحلل سريعا مثل الورق، إنما يستمر في التربة لأكثر من 100 سنة، وينزل منه جزيئات بلاستيك تتحول لـ«ميكرو جزيئات» من البولي إيثيلين والكيماويات تصل إلى غذاء المواطنين في الفاكهة والخضروات، ما يسبب السرطانات


.jpeg)
.jpeg)