فرسان الإمارات في وندسور: ملحمة إرادة تتجاوز حدود المسافات بقلم أحمد فاضل
في عمق المسافات الطويلة، حيث تختبر الخيول قدرة التحمل وتكشف الأرض عن معدن الفرسان الحقيقي، ارتفعت راية الإمارات عاليًا مجددًا في "رويال وندسور 2025"لم يكن السباق مجرد تحدٍ بدني، بل كان انعكاسًا لمنظومة متكاملة من الإعداد والاحتراف، تجتمع فيها مهارة الفارس، وقوة الجواد، ودقة التنظيم، حيث تألق فرسان الإمارات في واحدة من أصعب وأعرق بطولات القدرة على مستوى العالم، ليؤكدوا أن النجاح لا يأتي صدفة، بل يُصنع على مضمار العمل والإصرار والتحدي والعزيمة وأنهم لا يشاركون في البطولات فحسب، بل يصيغون ملامحها ويعيدون تعريف معاييرها.
هذه المشاركة لم تكن مجرد سباق، بل كانت تجسيدًا عميقًا لهُوية رياضية وثقافية وإنسانية، رسم ملامحها فرسان لا يعرفون التراجع، وجياد تعلّمت منذ الولادة أن لا تتوقف حتى تلامس خط المجد
وليست القصة هنا عن أرقام أو ميداليات فقط، بل عن روح تتقد بالعزيمة، وجياد تنبض بقوة الانتماء، وأجيال تدربت على الانتصار كما تُدرّبت على الصبر. فحين ينطلق الفارس من صهوة جواده ليجوب مسافة 160 كيلومتراً في مسار معقّد، فإنه لا يحمل فقط طموحه الشخصي، بل يعكس صورة وطن بأكمله، وثقافة تحترم الخيل، وتُكرم الفروسية، وتبني النجاح على دعائم التخطيط والتفاني.
في وندسور، لم تركض الخيول فقط .. بل ركض معها شغف أمة، وتاريخ من المجد، وطموحات تُخطّ على خطى الأبطال.
سيف المزروعي.. حين يصبح الفارس مرآة للوطن
في مضمارٍ لا يرحم، واختبارٍ يتطلب مزيجًا دقيقًا من القوة، التحمل، والفكر الاستراتيجي، برز اسم سيف أحمد المزروعي كقائد ملحمة إماراتية فريدة، بعد أن أحرز المركز الأول في سباق 160 كم، ممتطيًا الجواد “بوليو كواسيلو” بزمن 7:19:34 ساعة ومتوسط سرعة 21.84 كم/ساعة.
كان المزروعي مثالًا لفارسٍ لا يتبع خطى أحد، بل يرسم طريقه بثقة، ويزرع النصر حيثما حل. فوزُه لم يكن مجرّد سبقٍ رياضي، بل ترجمة عملية لفلسفة إماراتية تؤمن بأن المجد يُصنع بالإرادة والعمل، لا بالحظ أو الصدفة.
منصة لا تليق إلا بالأقوياء
توالت إنجازات فرسان الإمارات لتكتمل لوحة التفوق:
سعيد حمود الخياري: المركز الثاني في فئة 160 كم على الجواد “دراجون فويي”
• فهد هلال الخاطري (البحرين): المركز الثالث على الجواد “فيز فوجولي”
وفي فئة 120 كم:
سعود مبارك سبت (البحرين): المركز الأول
أحمد عبد الرحمن البستكي (الإمارات): الثاني على “إس دبليو ليلك”
• عيسى راشد المزروعي: الثالث على “إس دبليو إنكارينت”
• مصعب بالقيزي: الرابع على “هيستيفيل فالويس”
أما فئة 100 كم، فشهدت فوز الفرنسية ليا فانديك إيركوف بالمركز الأول على “بالكان بيليزكا” من إسطبلات F3، تلاها فرسان الإمارات:
• راشد محمد البلوشي: الثاني على “دوركان دي فيجنولس”
• منال عبد الله البلوشي: الثالثة على “بوليو شارلز”
• سعيد البلوشي: الرابع على “إس إم إسبيرانزا
الريادة منهج إماراتي
منذ انطلاق سباق رويال وندسور للقدرة عام 2013، لم تغب الإمارات عن منصة التتويج. بل حوّل فرسانها الحدث إلى ساحة يرسخون فيها ريادتهم كل عام.
ففي نسخة 2025، حصدت الإمارات لقبها السابع في فئة 160 كم، ما يكرّس مكانتها كالدولة الأكثر فوزًا في تاريخ هذه البطولة الرفيعة، ويؤكد أن التميز ليس استثناءً بل قاعدة عند فرسانها.
ما حدث في الميدان ليس نتاج اجتهاد فردي، بل ثمرة منظومة متكاملة تبدأ من اختيار الخيول، مرورًا بالتدريب، والتحليل البيطري، والتجهيزات الدقيقة، وانتهاءً بالقيادة الميدانية.
هي رياضة جماعية بروح الفارس الواحد. خيول تُدرّب على الطاعة، وفرسان يُدرّبون على الحسم، وأطقم تعمل بصمت في الخلفية لصناعة لحظة انتصار لا تُنسى.
رسالة وطنية تتجاوز حدود الرياضة
ما حققه فرسان الإمارات في رويال وندسور هذا العام ليس مجرد فوز في بطولة دولية، بل رسالة موجهة لكل شابٍ وشابة، ولكل رياضي وطالب حلم، أن الإرادة تصنع المستحيل، وأن الوطن الذي يؤمن بأبنائه، يراهم دومًا في الصدارة.
ففي كل صهوة جواد، وركضة فارس، ونقطة نهاية تُقطع بعد مئة وستين كيلومتراً من التحدي، يولد درب جديد من المجد .. يُكتب عليه: “هنا مرّ فرسان الإمارات، وهنا بقي المجد للأوفياء"





