المينونايت: شعب يعيش خارج الزمن... بين البساطة والانعزال في عصر العولمة



تقرير 

فتحي الضبع 

طائفة المينونايت هي جماعة مسيحية أنابابتستية تعود أصولها إلى القرن السادس عشر في أوروبا، وتُعرف بأسلوب حياتها البسيط والمتحفظ، حيث يبتعد العديد من أعضائها عن مظاهر الحياة الحديثة مثل الكهرباء والسيارات، ويعيشون في مجتمعات زراعية مغلقة. 

يروي تاريخ المينونايت قصة شعبٍ


اجتمع على معتقداتٍ مشتركةٍ حول الكتاب المقدس، ورغبةٍ جماعيةٍ في الإخلاص لله. بدأت رحلة المينونايت كجزءٍ من حركة الإصلاح الديني في أوروبا الوسطى في القرن السادس عشر، وعُرفت باسم "المعمودية". وتتمثل مبادئ المينونايت الرئيسية في معمودية البالغين، وفصل الكنيسة عن الدولة، ومركزية يسوع والكتاب المقدس في الحياة اليومية، وتمييز المجتمع، ونبذ العنف. وقد أثّرت هذه المعتقدات الراسخة سلبًا على المؤسسة الدينية في ذلك الوقت. وبسبب الاضطهاد، تشتت المينونايت. وفي كل مكان، انضمت عائلاتٌ جديدةٌ إلى هذه الحركة.

تأسست كنيسة الإخوة المينونايت عام ١٨٦٠ كتعبير جديد عن الإيمان المينونايت. وقد توسعت هذه الكنيسة بسرعة حول العالم، حيث عُقدت مؤتمرات رسمية في ٢٢ دولة. ويجتمع المجتمع الدولي معًا سنويًا في ايكومب قمة.

يوجد اليوم في كندا، في كل من المناطق الريفية والحضرية، أكثر من 200 كنيسة للإخوة المينونيين حيث يواصل الناس التجمع معًا لتشجيعهم في رحلة تلمذتهم والعيش بأمانة في مهمتنا الفردية والجماعية.

بين حقول الذرة وبيوت الخشب الصامتة، حيث لا وجود للهواتف الذكية أو السيارات الحديثة، تجلس ماريا، فتاة مينونايتية في السابعة عشرة من عمرها، تحيك ثوبًا تقليديًا يدويًا وهي تقول بهدوء:"نحن لا نحتاج إلى الإنترنت لنكون سعداء... نعيش معًا، نزرع طعامنا، ونصلي بسلام."

في زيارة ميدانية لإحدى مستوطنات المينونايت في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، بدا أن الزمن قد توقف. رجال يرتدون القبعات العريضة، نساء بأغطية رأس بيضاء، وأطفال يركضون حفاة في المزارع. لا أجهزة كهربائية، لا موسيقى صاخبة، ولا إعلانات."لسنا معزولين... نحن فقط نختار نمطًا مختلفًا"يقول يعقوب، أحد كبار الطائفة:"العالم الخارجي مليء بالفوضى والماديات. نحن اخترنا أن نعيش كما عاش أجدادنا. قد لا يكون الأمر سهلاً، لكنه يمنحنا راحة لا توجد في المدن."

أصوات من الجيل الجديد

لكن ليس الجميع راضياً. تقول "ريبيكا"، فتاة مينونايتية أخرى، بسرية:"أحيانًا أتساءل كيف سيكون شعوري لو ارتديت جينز، أو استمعت إلى الموسيقى على هاتفي... نحن نعيش حياة هادئة، لكن أحيانًا أحنّ لمعرفة العالم هناك."

بين الماضي والمستقبل

الزائر لا يملك إلا أن يحترم هذا التمسك النادر بهوية دينية واجتماعية عميقة، في عالم طغت فيه الفردية وسرعة الاستهلاك. ومع ذلك، تبدو علامات التغيير بادية على الأفق. فقد بدأت بعض الطوائف المينونايتية بالسماح باستخدام الكهرباء في المدارس والمزارع، وبدأت أخرى بتجربة الهواتف المحمولة للضرورة.

زمنان لا يلتقيان

تثير تجربة المينونايت أسئلة عميقة حول معنى التقدّم، وهل التقنية دائمًا في صالح الإنسان؟ وهل يمكن للمجتمعات أن تصمد أمام تيار التغيير العالمي دون أن تفقد ذاتها؟

في عالمٍ يمضي مسرعًا، يبقى المينونايت صدىً هادئًا لصوت آخر: صوت البساطة، والرضا، والإيمان.