رحلت الضحكات وبقي الطحين على الجدران"


فتحي درويش الضبع 

كان هناك زمن، لا يقاس بالساعات ولا يُكتب في التقويم... بل يُقاس بوجوه تعبق بالرضا، وأرواح لم تعرف غير البساطة عنوانًا.

 هناك، في زاويةٍ منسية من الذاكرة، تقبع ماكينة الطحين القديمة، شاهدةً صامتة على زمنٍ ولّى، وقلوبٍ رحلت، وأحاديثٍ خفت صوتها.

تلك الماكينة التي كانت تدور بقوة، تشبه قلوب من حولها: قوية رغم الشقاء، صبورة رغم الألم. كانت تصدر صوتًا أشبه بأنين الأرض، وكأنها تبكي معنا، تشاركنا تعبنا، وتُحيله إلى خبزٍ دافئ يملأ بطون الجياع ويُرضي قلوب البسطاء. حولها كانت تدور الحياة، لا بسرعة الكهرباء، بل بسرعة الحب، بسرعة الألفة، بسرعة القلوب النقية.

كم من امرأة سكب الزمان على ثوبها طحينًا، وكم من رجلٍ جلس منتظرًا دوره، يسرح ببصره في وجوه أطفاله الغائبين، أو في موسمٍ خذله المطر فيه. كانت الماكينة أكثر من آلة، كانت صدرًا نلقي عليه تعبنا، وحائطًا نحتمي خلفه من ضجيج الحياة القاسية.


اليوم، تقف الماكينة، صامتة، وقد علاها الغبار، وابتلعت تفاصيلها ذاكرة النسيان. لم يعد أحد ينتظر دوره، لم تعد الضحكات تُقال على عجل، ولا الرغيف يُخبز بنكهة الكدّ والتعب. ساد الصمت، وماتت الحركة، وذهب الناس كلٌ في طريق، وبقيت أرواحهم هنا، على جدران الطحين، وبين أنين الأحجار، وفي صدى الآلات التي كانت تدور كأنها تدعو للغائبين بالسلام.


آه يا ماكينة الطحين… يا رفيقة التعب النبيل، ويا شاهدة على زمنٍ لم نعرف قيمته إلا بعد أن اختفى! كم يؤلمنا أن نراكِ دون صوت، دون رائحة، دون نبض… كأنكِ قبر مفتوح لذكرياتنا. لم تعودي تدورين، لكنكِ ما زلتِ تحركين قلوبنا، وما زال بكاؤك القديم يطرق أبواب حنيننا كلما اشتدت علينا غربة العصر.


ما أصعب أن نبكي شيئًا لا يمكن أن يعود… أن نحمل صورًا لا تُطبع من جديد… أن نشتاق لأصوات لا تصدرها التكنولوجيا… أن نشتاق لوجوه اختلطت بالتراب، وهمساتٍ ضاعت في زحام المدن.

لكننا، رغم كل شيء، ما زلنا نحبكِ… نحب رائحتكِ، صوتكِ، قسوتكِ… نحبكِ لأنكِ كنتِ الحياة حين لم تكن الحياة رحيمة.