ليبيا كما لا تُرى: حين يخطف الإعلام الصورة، ويُعيدها المشروع الناعم
طرابلس
فتحي الضبع (مقال ىاى )
من يتابع وسائل الإعلام الدولية أو الإقليمية حول ليبيا، سيظنّ أن البلاد لا تعرف سوى الحرب والفوضى والانقسام.
لكن خلف هذا المشهد، هناك ليبيا أخرى قلّما تُرى أو تُروى: ليبيا الناس، والثقافة، والطبيعة، والفن، والذاكرة الجماعية التي تصمد وسط الانقسام.
إلا أنّ ما يُقدَّم عنها في الخارج بل وأحياناً في الداخل يُختزل في سردية واحدة: “الأزمة المستمرة”.
هكذا تحوّل الإعلام إلى مرآة مشوّهة، لا تنقل الواقع، بل تُعيد إنتاجه في إطار سلبي دائم.
ماكينة الكذب الإعلامي: كيف تُدار الصورة الليبية
المشهد الإعلامي الليبي اليوم يعيش حالة من التجزؤ والانقسام الحاد.
وسائل الإعلام باتت تنطق بلسان الأطراف، والصحافة المستقلة تكاد تكون استثناء نادراً.
حتى على منصات التواصل، تتحوّل الأخبار إلى سلاح دعائي، والصور إلى ذخيرة سردية في حرب مفتوحة على الحقيقة.
كما كتب أحد المراسلين الغربيين: “في خطوط القتال الليبية، المقاتل يحمل البندقية في يد والهاتف في اليد الأخرى.”
الصورة لم تعد وسيلة توثيق، بل وسيلة صراع.
أمام هذا الواقع، تراجعت ثقة الجمهور في المؤسسات الإعلامية، وازداد اعتماد الناس على مصادر غير موثوقة، ما فتح الباب واسعاً أمام التضليل، وفقدان البوصلة الإعلامية.
الإعلام ينتج سردية مأزومة
الإصرار على تقديم ليبيا من منظور “الحدث السيئ” فقط الانفجار، القتال، الانقسام جعلها تُعرّف عبر الأزمات، لا عبر الناس.
غابت قصص الفنّانين والمصورين، والمجتمعات التي تصمد وتعيد البناء، وأصوات الشباب الذين يحلمون بمستقبل مختلف.
هكذا أصبح الخبر الليبي أقرب إلى دراما الصدمة منه إلى حكاية بلد.
القوة الناعِمة: ليبيا التي تستحق أن تُروى
لكن ليبيا ليست فقط عنوان أزمة، بل مخزون قوة ناعمة غنيّ:تراث عالميّ يمتدّ من لبدة وسبراتة إلى غدامس وجبال الأكاكوس.
طبيعة آسرة بين الصحراء والبحر، تصلح لأن تكون مادة جاذبة في الإعلام والسياحة والثقافة.
طاقة شبابية وفنية تعيد رسم الصورة من الداخل رغم الانقسام.مجتمع مدنيّ نشط يسعى للمصالحة والبناء.
هذه المقومات قادرة على إنتاج صورة ليبيا الجديدة: دولة الثقافة، لا الحرب؛ ودولة الإنسان، لا الفوضى.
مشروع إعلامي وطني: من الأزمة إلى السرد
من هنا، يبرز مقترح لمشروع إعلامي وطني جديد يقوم على القوة الناعمة الليبية ويهدف إلى إصلاح الصورة في الداخل والخارج.
ملامح هذا المشروع:
إنشاء منصة رقمية وطنية متعددة اللغات تسرد القصص الليبية الإيجابية، من المدن والمناطق المختلفة.
تدريب صحفيين ومصورين على الصحافة الرقمية والتحقق من الأخبار ومكافحة التضليل.
إطلاق شبكة “سفراء إعلاميين ليبيين” للتواصل مع الجاليات والعالم الخارجي.
إدراج مفهوم “تحقّق قبل النشر” ضمن الحملات التعليمية والإعلامية.
تعزيز التعاون مع المؤسسات الدولية الداعمة لحرية الصحافة والمحتوى المستقل.
هدف المشروع ليس تلميع الصورة، بل تصحيحها، وجعل ليبيا تروي قصتها بنفسها، لا أن تُروى عنها من الخارج.
التحديات: بين الاستقلالية والتمويل والأمان
نجاح أي مشروع إعلامي وطني سيصطدم بعدة عوائق:
التمويل المستقل بعيداً عن الأطراف السياسية.
السلامة المهنية للصحفيين في مناطق النزاع.
التحديات التقنية في بيئة تفتقر للبنية الرقمية المتكاملة.
استعادة ثقة الجمهور الذي تضرر من التزييف والانقسام.ورغم ذلك، فإن بناء هذا الإعلام ليس ترفاً، بل ضرورة وطنية لإعادة تعريف ليبيا للعالم ولذاتها.
ليبيا التي تُروى... لا التي تُستغلّ إعلامياً
إذا بقيت الصورة السائدة عن ليبيا هي صورة الأزمة، فستبقى آلة التزييف الإعلامي هي الحاكم الوحيد للوعي العام.
أما إذا بدأت ليبيا في سرد قصتها بنفسها بعيون أبنائها وعدساتهم فستتحول من ضحية السرد إلى صانعته.


