الحلقة الرابعة: صلاح الدين الأيوبي – محرر القدس




صوفيا 
د. محمد كمال علام 

 "عبر العصور، لم يكن قادة مصر مجرد جنرالات في ميادين الحرب، بل كانوا صناع تاريخ وأبطال أمة. واليوم، نقف أمام واحد من أعظم هؤلاء القادة… رجل جمع بين الإيمان العميق، والحكمة السياسية، والعبقرية العسكرية. إنه القائد الذي حرر القدس، وأصبح رمزًا خالدًا في ذاكرة الشعوب… صلاح الدين الأيوبي
وُلِدَ صلاح الدين في تكريت في العراق عام 532 هـ/1138م في ليلة مغادرة والده نجم الدين أيوب قلعة تكريت حينما كان واليًا عليها، ويرجع نسب الأيوبيين إلى أيوب بن شاذي بن مروان من أهل مدينة دُوِين القديمة في أرمينيا، والتي نفي منها شاذي عام 524 هـ/1130م عندما استولى أمير تركي على المدينة من أميرها الكردي. اختلف المؤرخون في نسب العائلة الأيوبية حيث أورد المؤرخ الموصلي ابن الأثير الجزري في تاريخه أن أصلهم من الأكراد الرَوَاديَّة وهم فخذ من الهَذَبانِيَّة، لقبيلة الكُردية المهيمنة في منطقة دوين آنذاك. ويذكر أحمد بن خلكان ما نصه: «قال لي رجلٌ فقيه عارِفٌ بما يقول، وهو من أهل دوين، إن على باب دوين قريةً يُقال لها أجدانقان وجميع أهلها أكراد رَوَاديَّة، وكان شاذي قد أخذ ولَدَيه أسد الدين شيركوه ونجم الدين أيوب وخَرَجَ بهما إلى بغداد ومن هناك نزلوا تكريت، ومات شاذي بها وعلى قبره قبة داخل البلد» في حين وبعد أن استقر الأيوبيون في السلطة، تبنى جماعة من ملوكهم أنسابًا عربية نبيلة وأنكروا النسب الكردي، حيث قالوا «إنما نحن عرب، نزلنا عند الأكراد وتزوجنا منهم.»، ومع ذلك اختلف هؤلاء في نسبهم فالملك المعز إسماعيل الأيوبي صاحب اليمن أرجع نسب بني أيوب إلى بني أمية وحين بلغ ذلك الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب قال: «كذب إسماعيل ما نحن من بني أمية أصلاً»، أما الأيوبيون ملوك دمشق فقد أثبتوا نسبهم إلى بني مرة بن عوف من بطون غطفان وقد أحضر هذا النسب على المعظم عيسى بن أحمد صاحب دمشق وأسمعه ابنه الملك الناصر صلاح الدين داود 
وكان نجم الدين والد صلاح الدين قد انتقل إلى حيث أصبح واليًا عليها مدة سبع سنوات وانتقل إلى دمشق، وقضى صلاح الدين طفولته في دمشق حيث أمضى فترة شبابه في بلاط الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي أمير دمشق  إن المصادر حول حياة صلاح الدين خلال هذه الفترة قليلة ومبعثرة، لكن من المعروف أنه عشق دمشق عشقًا شديدًا، وتلقى علومه فيها، وبرع في دراساته، حتى قال عنه بعض معاصريه أنه كان عالمًا والشريعة الإسلامية   وتنص بعض المصادر أن صلاح الدين كان أكثر شغفًا بالعلوم الدينية والفقه الإسلامي  من العلوم العسكرية خلال أيام دراسته  . وبالإضافة إلى ذلك،   كان صلاح الدين ملمًا  بعلم الأنساب  وتاريخ العرب  والشعر، فحفظ ديوان الحماسة  لأبي تمام   عن ظهر قلب، أيضًا أحب المطهمة، وعرف أنقى سلالاتها دمًا  
 البدايات
وُلد يوسف بن أيوب، المعروف بصلاح الدين الأيوبي، في تكريت عام 1137م. نشأ في بيت علم ودين، وتربى في كنف والده نجم الدين أيوب. ومنذ صغره، مال قلبه للجندية والقيادة، حتى التحق بخدمة القائد نور الدين زنكي في الشام، حيث تعلم فنون الحرب والسياسة
 صعود القائد
أُرسل صلاح الدين إلى مصر وزيرًا للخليفة الفاطمي، وكانت مصر تعاني من الاضطراب الداخلي والتهديد الخارجي. بذكائه وحنكته، أعاد الاستقرار، وألغى الخلافة الفاطمية، ليعيد مصر إلى صف الدولة العباسية السنية. ومن هنا بدأ نجمه يسطع كقائد موحد للأمة
معركة حطين
 عام 1187م… وقعت المعركة الفاصلة. واجه صلاح الدين جيوش الصليبيين في سهل حطين، قرب طبريا. خطط بحنكة، فأضعف خصومه بالعطش والإنهاك، ثم قاد الهجوم الكاسح الذي حطم جيوشهم، وأسر ملك القدس نفسه. من هذه اللحظة، بدأ الطريق نحو أعظم نصر في تاريخ الإسلام الوسيط
تحرير القدس
بعد حطين، دخل صلاح الدين مدينة القدس فاتحًا. لكن دخوله لم يكن كسائر الفاتحين لم يرفع السيف على المدنيين، ولم ينتقم، بل فتح الأبواب للصلح، وأمَّن المسيحيين على كنائسهم ومقدساتهم. لتصبح صورته رمزًا للفروسية والعدالة حتى في عيون أعدائه
 القائد والإنسان
لم يكن صلاح الدين مجرد قائد عسكري، بل كان زاهدًا في الدنيا، كريمًا، متواضعًا، يجمع بين الشدة في القتال والرحمة في السلم. لم يترك وراءه ثروة أو قصورًا… بل ترك إرثًا أعظم: وحدة الأمة، وذكرى رجل جسّد القيم الإسلامية في أسمى صورها
من تكريت إلى القدس، ارتفع نجم صلاح الدين ليضيء سماء التاريخ. قائد أثبت أن القوة لا تكتمل إلا بالعدل، وأن السيف إن لم يُمسك بيد رحيمة… صار مجرد أداة دمار. ومع صلاح الدين الأيوبي، يبقى اسم مصر شامخًا في ذاكرة التحرير. 
وفي الحلقة القادمة… ننتقل إلى زمن المماليك، حيث يطل علينا بطل معركة غيرت مجرى التاريخ الإسلامي… السلطان سيف الدين قطز