الظاهر بيبرس – أسد الإسلام وباني الدولة المملوكية
صوفيا
في زمنٍ كان العالم فيه يتغير بالنار والحديد، وحين سقطت دولٌ عظيمة أمام جحافل المغول والصليبيين، برز قائد من قلب المماليك… بدأ حياته عبدًا، وانتهى سلطانًا يهاب اسمه الشرق والغرب. إنه البطل الذي أعاد بناء الدولة، وثبّت أركانها بعد عين جالوت… السلطان الظاهر بيبرس
المشهد الأول – من العبودية إلى المجد
وُلد بيبرس البندقداري في سهول القَفجاق شمال بحر قزوين. أسره التتار وهو صغير، وبيع في أسواق العبيد حتى وصل إلى مصر، ليبدأ رحلة القدر من جديد. لم يكن مجرد مملوك عادي… كانت فيه صفات نادرة: ذكاء حاد، قوة جسدية، وبصيرة عسكرية مدهشة. صعد بسرعة في صفوف الجيش المملوكي حتى أصبح أحد قادة النصر في معركة عين جالوت إلى جانب السلطان سيف الدين قطز
• توليه الحكم
"بعد استشهاد قطز، تولى بيبرس الحكم سنة 1260م. لم يكن عهده هدوءًا، بل كان بداية عصر جديد من القوة والانضباط. أول ما فعله هو إعادة تنظيم الجيش والدولة، وبناء جهاز إداري قوي يعتمد على الكفاءة والانضباط، لا النسب والوراثة
مواجهة الصليبيين
في تلك الفترة، كان الصليبيون ما يزالون يحتلون مدنًا في الشام والساحل الشرقي للبحر المتوسط. فقاد بيبرس حملات متتالية لتحريرها. استعاد قيسارية، ويافا، وأنطاكية، وأوقع بالرعب في قلوب أعدائه. كان بيبرس لا يكتفي بالقتال، بل يستخدم الحرب النفسية، والمكر العسكري، ويستبق أعداءه بالدهاء والتخطيط
كان يقول لقادته: 'إن العدو لا يُهزم بالقوة فقط… بل بالعقل قبل السيف
ال مواجهة المغول
لم ينس بيبرس خطر المغول. فبعد عين جالوت، حاولوا العودة للانتقام، لكن بيبرس أوقفهم عند حدود الشام. أقام معهم معاهدات حينًا، وأعدّ لهم الفخاخ حينًا آخر
وأرسل رسائل تهديد إلى زعمائهم يقول فيها: *'هنا مصر… أرض لا تُغلب
بفضل سياسته القوية، تحوّل المماليك من مجرد جيشٍ أنقذ الأمة إلى دولة قوية تُرهب
الأعداء وتفرض هيبتها
معركة المنصورة
برز بيبرس عندما قاد جيشَ المماليك في معركة المنصورة ضد الصليبيين في رمضان من عام 647 هـ/ 1249 م. فقد شن الفرنجة هجوماً مباغتاً على الجيش المصري مما تسبب بمقتل قائد الجيش «فخر الدين بن الشيخ» وارتبك الجيش وكادت أن تكون كسرة إلا أن خطة معركة أو «مصيدة المنصورة» التي رتبها بيبرس، القائد الجديد للمماليك الصالحية أو البحرية وبموافقةشجرة الدر التي كانت الحاكمة الفعلية لمصر في تلك الفترة بعد موت زوجها سلطان مصر الصالح أيوب. فقاد الهجوم المعاكس في تلك المعركة ضد الفرنج، وتسبب بنكبتهم الكبرى في المنصورة. التي أسر فيها الملك الفرنسي لويس التاسع وحبسه في دار ابن لقمان
توران شاه
بعد وفاة السلطان الصالح أيوب استدعت شجرة الدر ابنه توران شاه من حصن كيفا، ونصبته سلطاناً على مصر ليقود الجيش المصري ضد القوات الصليبية الغازية. لكن ما إن انتهت الحرب، حتى بدأ توران شاه بمضايقة شجرة الدر وظل يطالبها برد أموال ومجوهرات والده، وفي نفس الوقت توعد وهدد مماليك أبيه واستبعدهم من المناصب ووضع مكانهم أصحابه الذين أتوا معه من حصن كيفا. مما حدا بالمماليك الإسراع في قتله قبل خروج الفرنج من دمياط، فقُتل بمشاركة بيبرس وفارس الدين أقطاي في فارسكور
وبعد مقتل توران شاه نصب المماليك شجرَةَ الدر سلطانةً باعتبارها أرملة السلطان الصالح أيوب، أما ابنه خليل فقد مات صغيراً، وطلبوا من الأمراء الأيوبيين في الشام الاعتراف بسلطنتها
فرفض أيّوبيّو الشام هذا التنصيب، لأن ذلك معناه نهاية دولتهم في مصر، وأيضا لم يوافق الخليفة العباسي المستعصم بالله في بغداد الذي اعترض على ولاية امرأة. فتسلم السلطنة عز الدين أيبك الذي تزوجها لكي يتمكن من الحكم. ولكن الأيوبيين لم يوافقوا على ذلك وأرسل جيش إلى مصر بقيادة صاحب حلب ودمشق الناصر يوسف لاحتلالها وتحريرها من المماليك، ولكنهم هُزموا أمام المماليك، وفرّوا هاربين إلى الشام مما مكن المماليك من تثبيت حكمهم في مصر
صراع المماليك
بعد استتباب الأمر للمماليك في حكم مصر بقيادة السلطان أيبك، بدأ أمر أقطاي يستفحل، وأحس السلطان عز الدين أيبك بزيادة نفوذه، خاصة بعدما طلب من أيبك أن يفرد له مكاناً في قلعة الجبل، ليسكن به مع عروسه، فقرر قتله بالتعاون مع مملوكه سيف الدين قطز والمماليك المعزية، فاستدرجه إلى قلعة الجبل واغتاله وألقى برأسه إلى المماليك البحرية الذين تجمعوا تحت القلعة مطالبين بالإفراج عنه وكان ذلك سنة 652 هـ / 1254 م. ففر المماليك البحرية من مصر إلى سوريا والكرك وسلطنة الروم السلاجقة وأماكن أخرى، وكان في مقدمتهم بيبرس وقلاوون الألفي وبلبان الرشيدي وسنقر الأشقر الذين فرّوا إلى دمشق
فرح الناصر يوسف بما حصل ورحب بهم، وحاول أن يستخدمهم ضد أيبك. استمرت العداوة بين الناصر يوسف وأيبك فأرسل الناصر يوسف جيشه للهجوم على مصر بمساعدة المماليك البحرية الذين معه في هذه المرة، ولكن ما إن وصل حدود مصر حتى اضطر إلى أن ينسحب ويوافق على شروط أيبك التي كان من ضمنها إبعاد البحرية عن سوريا فرحلوا إلى الكرك فاستقبلهم صاحب الكرك المغيث عمر أحسن استقبال، وفرق فيهم الأموال، وحاول الهجوم على مصر بدعم المماليك البحرية ولكنه مني بهزيمة أمام أيبك وفرَّ راجعا وكان ذلك سنة 656 هـ / 1258 م. وأثناء عودة المماليك منهزمين من مصر هاجموا غزة التي تعد تابعة للناصر يوسف، فهزموا الحامية التي بها وأسروا آمرها، فقوي أمرهم.
وفي أثناء تحرك البحرية في جنوب الشام، صادفوا في غور الأردن فرقة الشهرزورية ، التي فرت من العراق تحت ضغط لتتار، فاتفقوا معهم وتزوج بيبرس امرأة منهم لتوثيق الاتفاق بالمصاهرة.ما حرك المخاوف عند الناصر منهم، فحرك عساكره إليهم، فهزم البحريةُ عسكرَ الشام، فركب الناصر بنفسه وبكل جيشه، ففرت البحرية إلى الكرك والشهرزورية إلى مصر.فتابع تحركه نحو الكرك وحاصرها، فأراد المغيث حل القضية سلمياً مع الناصر، فوافق الناصر على شرط تسليمه المماليك، وفي أثناء الحصار شعر بخطورة الموقف أحد مقدمي البحرية، وربما أذكاهم وأكثرهم أهلية للقيادة -وكان هو الظاهر بيبرس- الذي يعرف بدقة أين يجب أن يكون في كل ظرف، فتسلل من قلعة الكرك ولجأ إلى الناصر يوسف الذي استقبله وعفا عنه. أما باقي المماليك فقد استلمهم الناصر من المغيث وأودعهم سجن قلعة حلب، وبقوا فيها حتى احتل التتار حلب وأخذوهم منها
انتهت الخلافات بين الطاهر يوسف وأيبك على إثر وساطة قام بها ابن العلقمي وزير الخليفةالمستعصم بالله، ونص الاتفاق على أن تسحب فلسطين من أملاك أيبك وتضم إلى يوسف، وأقطع بيبرس نابلس لإرضائه بعد استشاطته غضبا من الاتفاق بين يوسف وأيبك.
توجه المغول إلى حلب واستولوا عليها ودمروها، مما أثار موجة من الرعب في قلوب المسلمين وحكامهم، فمنهم من هرب إلى مصر كما فعل صاحب حماة، ومنهم من فضل الاستسلام حقنا للدماء كما فعل حاكم حمص. ولم يبق من المدن المهمة سوى دمشق التي جمع حاكمها الناصر من الجيوش لمواجهة المغول، ثم ما لبثت تلك الجيوش أن انفضت من حوله، وذلك لأنه كان محتاراً في ما يفعل تجاه المغول، فما كان من المماليك الرافضين لتصرفاته المترددة إلا أن حاولوا قتله وتولية أخيه الملك الظاهر علي مكانه. فاكتشف الناصر تلك المؤامرة وفر ليلاً من المعسكر إلى قلعة دمشق وتحصن فيها، فلما علم مماليكه بهربه وافتضاح أمرهم ساروا نحو غزة برفقة بيبرس البندقداري، ومن غزة اتصل بسلطان المماليك الجديد قطز، فدعاه للعودة وأقطعه قليوب وأنزله بدار الوزارة وعظم شأنه لديه
عين جالوت
بناء الدولة
لم يكن بيبرس قائد حرب فقط، بل كان رجل دولة من الطراز الأول. أعاد بناء القاهرة، وجدّد الأسوار، وأنشأ المدارس والمساجد، وأعاد إحياء الخلافة العباسية في مصر بعد سقوط بغداد، ليمنح العالم الإسلامي مركزًا جديدًا للقيادة الروحية
> في عهده، ازدهرت التجارة، واستقرت البلاد، وامتدت حدود الدولة المملوكية من ليبيا غربًا حتى الفرات شرقًا
ال القائد الإنسان
رغم شدته في الحكم، كان بيبرس قريبًا من الناس، يخرج متخفيًا ليتفقد أحوال الرعية، ويعاقب الظالمين بيده. عاش زاهدًا في مظاهر الثراء، وعُرف بعدله وصلابته في تطبيق القانون على الجميع
توفي السلطان الظاهر بيبرس عام 1277م، بعد أن ترك خلفه دولة قوية امتد نفوذها لعقود، وجيشًا لا يُقهر، وشعبًا يثق في قوته
من عبدٍ مملوك… إلى سلطانٍ عظيم، جسّد بيبرس معجزة الإرادة المصرية، التي لا تعرف الاستسلام
ومعه، اكتمل عهد المماليك الأبطال الذين صانوا الأرض والعقيدة
> وفي الحلقة القادمة… ننتقل إلى زمن النهضة الحديثة، مع القائد الذي أعاد بناء الجيش المصري بأسلوب أوروبي، ورفع رايته في أرجاء الشرق… إبراهيم باشا، القائد الذي صنع مجد
مصر في القرن التاسع عشر
