حراس الأبقار» في الهند: تصاعد العنف الطائفي تحت ستار “الحماية المقدّسة”
تقرير
فتحي الضبع
في قلب الهند، تزداد حدة التوترات بين جماعات “حراس البقر” والمتهمين – غالبًا مسلمون – بتهريب الأبقار أو نقل لحومها. هذه الظاهرة باتت تمثل ليس مجرد نزاع اقتصادي أو ثقافي، بل نمطًا من العنف الطائفي المنظم، يستهدف أقلية مهمة في المجتمع الهندي، ما يثير تساؤلات حول العدالة وحقوق الإنسان.
السياق التاريخي والسياسي
الأبقار تُعتبر مقدّسة في الهندوسية، وهذا الاعتقاد الديني يجعل من قضايا ذبح الأبقار أو نقلها موضوعًا ذا حساسية كبيرة في أجزاء من الهند.
منذ صعود حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) إلى السلطة على المستوى الوطني (2014)، لوحظ تصاعد في الخطاب القومي الهندوسي والدعم الضمني أو التقاعس من بعض السلطات حيال بعض مجموعات “حراس الأبقار”.
في بعض الولايات، تم تشديد قوانين ذبح الأبقار، ما يمنح أساسًا قانونيًا يستخدمه متشدّدو “حماية الأبقار” لشرعنة تحركاتهم.
إحصائيات العنف
وفق تقرير هيومن رايتس ووتش، بين مايو 2015 وديسمبر 2018، قُتل 44 شخصًا في حوادث عنف متعلقة بحماية البقر، منهم 36 مسلمًا.
التقرير يشير إلى أن هناك أكثر من 100 حادثة عنف مرتبطة بالبقر منذ عام 2014.
تحليل لبيانات من IndiaSpend (ذكرت في ورقة أكاديمية) يوثق 133 حادثة موثقة للعنف من قبل “حراس الأبقار” بين 2012 ومنتصف 2019، مع 44 وفاة، من بينهم نحو 39 مسلمين.
تقرير من Hindustan Times يشير إلى أن 86% من القتلى في حوادث مرتبطة بالبقر منذ 2010 هم من المسلمين، وأن 97% من هذه الهجمات وقعت بعد تولي حكومة مودي (BJP).
شهادات واقعية من الضحايا
في مايو 2025، تعرض 4 من تجار الماشية المسلمين لهجوم من قبل مجموعة حراس بقر في ولاية تيلانغانا، أثناء نقلهم للجاموس، وذكر الضحايا أنهم تعرضوا لضرب بأسلحة حادة من قِبل نحو 100 شخص.
في حادث منفصل، تعرض سائق مسلم يدعى محمد ناصر (35 عامًا) لهجوم شديد في ولاية أوتاراخند من قبل متطرفين هندوس، بزعم أنه ينقل لحوم أبقار. الضرب كان شديدًا لدرجة أنه أصيب بإصابات داخلية، وقد كان يحمل جميع التصاريح القانونية لنقل الحمولة.
هناك أيضًا تقارير لحالات قتل بذريعة حماية البقر، مثل مقتل رجل مسلم يُدعى “بيهلو خان” في ولاية راجستان بعد اتهامه بأنه يهرب أبقارًا.
تحليل حقوقي وسياسي
المنظمات الحقوقية مثل هيومن رايتس ووتش تنتقد التراخي في إنفاذ القانون، مشيرة إلى أن بعض قوات الشرطة تتقاعس عن محاسبة المهاجمين، أو حتى تتهم الضحايا أنفسهم بجرائم.
العنف ليس فقط مدفوعًا بمعتقد ديني، بل يختلط مع الأجندة القومية الهندوسية: فـ “حماية الأبقار” تُستخدم كغطاء لتعزيز الهيمنة الطائفية ضد الأقليات مثل المسلمين والداليت.
بعض الخبراء يشيرون إلى أن هذا العنف يضر اقتصاديًا أيضًا، خاصة أولئك الذين يعتمدون في رزقهم على تجارة الماشية أو نقل الأبقار، مثل المربين والتجار وسائقي الشاحنات.
من الناحية القانونية، يثير هذا العنف تساؤلات حول الإفلات من العقاب: كثير من المهاجمين ينالون إطلاق سراح بكفالة أو يواجهون تهمًا ضعيفة، بينما الضحايا غالبًا ما يجدون صعوبة في متابعة قضاياهم.
توصيات من منظمات حقوقية
1. ملاحقة قانونية أكثر فعالية: يجب على السلطات الهندية فتح تحقيقات جادة ومحايدة في جرائم العنف المرتبطة بحراس البقر، وضمان محاسبة المسؤولين، بمن فيهم من يدعون الانتماء إلى منظمات هندوسية متطرفة.
2. حماية الضحايا: إنشاء آليات حماية للشهود والضحايا من الأقلية المسلمة الذين يتعرضون للتهديد أو العنف، خاصة أولئك العاملين في تجارة الماشية.
3. إصلاح تشريعي: مراجعة قوانين حماية الأبقار التي تسمح بتفسيرات متشدّدة قد تبرّر العنف الطائفي، وضمان حقوق المواطنين بغض النظر عن ديانتهم.
4. حوار مجتمعي: إطلاق مبادرات مجتمعية وتعليمية لتعزيز التعايش بين الطوائف، وتحذير من خطر الاستخدام السياسي والديني لموضوع الأبقار لإشعال الفتنة.
5. مراقبة دولية: دعوة منظمات حقوق الإنسان الدولية لمراقبة هذه الأفعال، ورفع تقارير منتظمة عن الانتهاكات وتقديمها للأمم المتحدة أو آليات حقوق الإنسان الدولية.
ما يبدو بداية كقضية دينية – حماية البقرة المقدّسة – تحول إلى أداة للضغط والطائفية والعنف المنظم. “حراس الأبقار” في الهند لم يعودوا فقط مدافعين عن الحيوانات، إنما أصبحوا ناطقين بلسان قومية هندوسية، تستهدف الفئات الأضعف والمهمّشة، خصوصًا المسلمين. إذا لم تتخذ السلطات خطوات فعالة لوقف هذا العنف ومحاسبة مرتكبيه، فإن ما يحدث قد ينفجر في أزمة أكبر تدمّر نسيج التعايش الاجتماعي في الهند


