السودان..دماء وذهب: مناجم الموت التي تموّل المجازر»


الخرطوم 

 في خضم الحرب المستمرة في السودان، لم يعد الصراع محصورًا في السيطرة على الحكم أو المؤسسات العسكرية، بل امتد ليشمل أخطر موارد البلاد الاستراتيجية: الذهب. هذا المعدن الذي كان يُفترض أن يشكل ركيزة لإنقاذ الاقتصاد المنهار، تحوّل إلى مصدر رئيسي لتمويل الحرب، وإلى محور صراع دموي بين القوى المسلحة وشبكات التهريب المحلية والدولية.

يُعد السودان من أكبر منتجي الذهب في إفريقيا، بإنتاج سنوي يُقدَّر بما بين 60 و70 طنًا في السنوات الأخيرة. غير أن الجزء الأكبر من هذا الإنتاج لا يدخل القنوات الرسمية، حيث تشير تقديرات اقتصادية مستقلة إلى أن نحو 50–70% من الذهب السوداني يتم تهريبه خارج البلاد، خاصة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

صراع السلاح على المناجم

تتركز معظم مناطق إنتاج الذهب في ولايات دارفور، شمال كردفان، نهر النيل، والولاية الشمالية. ومع تفكك سلطة الدولة، أصبحت هذه المناطق مسرحًا لصراع مباشر بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إضافة إلى مليشيات محلية وقوى قبلية مسلحة.

وتُتهم قوات الدعم السريع بالسيطرة على عدد من مناجم الذهب، لا سيما في دارفور، واستخدام العائدات في تمويل عملياتها العسكرية، عبر شبكات تصدير غير رسمية. في المقابل، تعتمد القوات المسلحة على ما تبقى من الهياكل الرسمية وشركات مرتبطة بالدولة لتصدير الذهب، لكن ذلك لم يمنع تسرب كميات كبيرة عبر الفساد وضعف الرقابة.

شبكات تهريب ودول عبور

يخرج الذهب السوداني عبر مسارات برية وجوية معقدة، تبدأ من مناطق التعدين وتنتهي في أسواق إقليمية ودولية. وتشكل الإمارات العربية المتحدة الوجهة الأبرز للذهب السوداني، سواء عبر صادرات رسمية أو عبر ذهب مهرب يتم “غسله” وإعادة إدخاله إلى الأسواق العالمية.

كما تمر كميات كبيرة من الذهب عبر دول الجوار مثل تشاد، ليبيا، مصر، جنوب السودان وأوغندا، حيث تُستخدم الحدود المفتوحة وضعف الرقابة لتسهيل التهريب. وغالبًا ما يتم نقل الذهب جوًا من مطارات داخل السودان أو من دول وسيطة، باستخدام رحلات تجارية أو طائرات خاصة، وسط اتهامات بضلوع شركات طيران محلية أو إقليمية في نقل شحنات غير خاضعة للرقابة الكاملة.

اقتصاد حرب بلا ضوابط

من الناحية الاقتصادية، يُقدَّر أن السودان يخسر مليارات الدولارات سنويًا بسبب تهريب الذهب، في وقت تعاني فيه الدولة من عجز حاد في النقد الأجنبي وانهيار الخدمات الأساسية. الأخطر من ذلك أن عائدات الذهب لم تعد تُستخدم في التنمية أو دعم العملة الوطنية، بل في شراء السلاح، تجنيد المقاتلين، وإطالة أمد النزاع.

ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع يحوّل السودان إلى نموذج لـ“اقتصاد الظل”، حيث تتحكم المليشيات والوسطاء في أهم موارد البلاد، بينما يتآكل ما تبقى من مؤسسات الدولة.

قضية تهريب ذهب السودان لم تعد مجرد ملف اقتصادي أو جنائي، بل أصبحت قضية سيادة وأمن قومي. فطالما ظل الذهب خارج سيطرة الدولة، سيبقى الصراع مفتوحًا، وستظل الحرب ممولة ذاتيًا من ثروة يفترض أن تكون ملكًا للشعب السوداني. وقف نزيف الذهب، داخليًا وخارجيًا، بات شرطًا أساسيًا لأي مسار جاد نحو السلام والاستقرار.

أثار تقرير نشرته سي إن إن حول تهريب الذهب من السودان عبر مطار الخرطوم على مدار الأشهر الماضية، الجدل في الشارع السوداني. 

تهريب الذهب من السودان

التقرير أوضح أن هناك 16 رحلة جوية روسية معروفة على الأقل قامت بتهريب الذهب من مطار الخرطوم على مدار 18 شهرًا الماضيين. 

وأضاف التقرير أن مقابلات مع مسؤولين أمريكيين وسودانيين ترسم صورة لمخطط روسي مفصل لنهب ثروات السودان من الذهب في محاولة لتحصين روسيا ضد العقوبات الغربية بالتواطؤ مع القيادة العسكرية في الخرطوم. 

وزعمت الصحيفة الأمريكية بأن روسيا تواطأت مع القيادة العسكرية السودانية؛ ما أتاح تهريب مليارات الدولارات من الذهب من السودان متجاوزين الدولة السودانية وحرمان الدولة المنكوبة بالفقر من عائدات الدولة مقابل تقديم دعم سياسي وعسكري قوي للقيادة العسكرية للقضاء بعنف على الحركة المؤيدة للديمقراطية. 

روسيا تواطأت مع القيادة العسكرية السودانية

وأكد التقرير أن 16 رحلة من الرحلات الجوية الروسية التي اعترضها المسؤولون السودانيون في مطار الخرطوم كانت تشغلها طائرات عسكرية من وإلى مدينة اللاذقية السورية، كما يتم النقل البري إلى جمهورية إفريقيا الوسطى.

واتهم البعض هذا التقرير بعدم المصداقية وانحيازه إلى أمريكا والغرب كون أن تلك الوسيلة الإعلامية أمريكية، خاصة في ظل الحرب الروسية الأوكرانية.

وأوضح التقرير أن ما يقرب من 13.4 مليار دولار هو حجم الذهب المهرب من السودان سنويا، لافتا إلى أن المتورط في تهريب الذهب إلى روسيا هو نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، محمد حمدان دقلو "حميدتي". 

حجم الذهب المهرب من السودان 

ويمتلك السودان احتياطات كبيرة منذ الذهب، حيث يقدر إنتاجه السنوي من الذهب بنحو 100 طن بقيمة تتخطى 5 مليارات دولار، ولكن كميات قليلة تدخل الخزينة العامة للدولة.

وذكرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن أكثر من نصف إنتاج الذهب السوداني يهرب إلى الخارج و تتصدر الإمارات وروسيا قائمة الدول التي تستقبل الذهب المهرب.

وشهد قطاع تعدين الذهب في السودان زيادة غير مسبوقة خلال العام الماضي حيث بلغ إنتاج الذهب نحو 80 طنا بقيمة تفوق 6 مليارات دولار مما يجعل السودان من بين أكبر أربع دول منتجة للذهب في أفريقيا وفق تقديرات منظمة سويس إيد.

ويعد هذا الارتفاع مدفوعا بتزايد عدد عمال المناجم الحرفيين وتوفر المواد الكيميائية الأساسية المستوردة التي تستخدم في التعدين الأمر الذي ساهم في تعافي سريع للإنتاج على الرغم من استمرار الحرب في البلاد.

ووذكر التقرير أن منطقة سنغو للتعدين التي تسيطر عليها شركة الجنيد القابضة التي تديرها عائلة حميدتي تمثل مصدر تمويل رئيسيا للمليشيا رغم خضوعها لعقوبات أمريكية منذ عام 2023.

وأكدت كبيرة مستشاري السياسات في منظمة (ذا سنتري)، ساشا ليجنيف أن ارتفاع أسعار الذهب أدى إلى تزايد تهريب الذهب غير القانوني من السودان مع توجه معظم الذهب المهرب إلى الإمارات