البطريرك الذي باع ذهب الكنائس لإنقاذ الجياع… قصة غريغوريوس حدّاد، أب الفقراء
دمشق
في زمن الجوع والمجاعة، وقفت الأرثوذكسية في دمشق شاهدة على أروع صور الإنسانية. كان غريغوريوس حدّاد، البطريرك الذي لقّبه الناس بـ"أب الفقراء"، مثالاً حيًّا للتضحية والإيثار، حين قرر أن يضع حياة البشر فوق كل اعتبار، دون تمييز بين دين أو عقيدة.
بين 1914 و1918، في ذروة "سفر برلك" الذي اجتاح لبنان والشام، حاصرت المجاعة المدن والقرى، وكان القمح سلعة نادرة وأرواح الناس معرضة للخطر. في هذا الوقت العصيب، قرر البطريرك غريغوريوس أن يتخذ خطوة غير مسبوقة:
رهن أوقاف البطريركية والأديرة،
بيع كل أواني الكنائس من ذهب وفضة،
التنازل عن آثار ومقتنيات كنسية لا تُقدّر بثمن،
وكل ذلك بهدف شراء القمح، وصنع الخبز، وتوزيعه على الجياع، دون سؤال عن دينهم أو انتمائهم.
وكانت الكنيسة المريمية في دمشق تتحوّل يوميًا إلى مأوى للطعام: كل من يطرق أبوابها يحصل على رغيف، دون أي تمييز. وعندما اشتكى المسؤولون من كثرة المستفيدين المسلمين، ردّ البطريرك بصرامة:
"هل كتب عليه أن يُعطى للمسيحيين فقط؟"
وعندما واجه أحدهم الفقراء بسؤال عن عقيدتهم قبل تقديم الصدقة، انفجر البطريرك غضبًا قائلاً:
"ألا يكفيهم ذل السؤال، لتذلهم بسؤال آخر عن دينهم؟"
توفي غريغوريوس حدّاد عام 1928، وشيّعه المسلمون قبل المسيحيين، في جنازة حضرها ثمانون ألف مسلم ومسلم، وبكى الجميع على رحيله. حتى الملك فيصل أرسل 100 فارس للمشاركة في جنازته، وأطلقت الحكومة السورية 100 طلقة مدفع تكريمًا له.
قصته تذكّرنا اليوم، بعد أكثر من قرن، بأن الإنسانية لا تُقاس بالدين أو العقيدة، وأن يد العون لا تعرف سوى الجائع والضعيف. لو عاش البطريرك في زمننا الحالي، لكان مثالًا حيًا للإنسان الذي يرفع الإنسانية فوق كل تصنيفات، ويثبت أن التضحية في سبيل الآخرين ليست مجرد قيمة، بل فعل يُخلّد في الذاكرة الجماعية.
