قيود بكين تدفع نشطاء هونغ كونغ إلى الخارج… وسويسرا وجهة غير متوقعة

 

برن 

فتحي الضبع 

مع تشديد بكين قبضتها الأمنية على هونغ كونغ منذ عام 2020، وجد عدد من نشطاء الحراك الديمقراطي أنفسهم مضطرين إلى مغادرة المدينة، بحثًا عن فضاء آمن يتيح لهم مواصلة نشاطهم بعيدًا عن الملاحقة. وفي هذا السياق، برزت سويسرا، على غير المتوقع، كأحد المراكز الجديدة لنشاط مدني وسياسي تقوده شخصيات منفيّة من هونغ كونغ.

ورغم أن عدد مواطني هونغ كونغ المقيمين في سويسرا لا يتجاوز ألف شخص، مقارنة بمئات الآلاف في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا، فإن البيئة القانونية المستقرة في هذا البلد الأوروبي، ولا سيما ما يتعلق بحماية الخصوصية وسيادة القانون، جعلته وجهة مفضّلة لمنظمات حقوقية ونشطاء معارضين للسلطات الصينية.

منظمات حقوقية في المنفى

في خطوة لافتة، أعلنت منظمة العفو الدولية هذا العام تسجيل مكتبها المعني بهونغ كونغ رسميًا في العاصمة السويسرية برن، بعد إغلاق مكاتبها داخل المدينة عام 2021، إثر دخول قانون الأمن القومي حيّز التنفيذ. ويُعد هذا المكتب الأول للمنظمة الذي يعمل بالكامل من المنفى، ويقوده نشطاء من الجاليات المنتشرة في أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا.

وقال فرناندو شانغ، العضو في مجلس إدارة منظمة العفو الدولية في المنفى ونائب سابق في المجلس التشريعي لهونغ كونغ، إن اختيار سويسرا جاء بسبب “الضمانات القانونية القوية لحماية البيانات، والاستقرار السياسي الذي يسمح لمنظمات المجتمع المدني بالعمل دون تدخل أو تهديد”.

الخصوصية في مواجهة المراقبة العابرة للحدود

ويؤكد خبراء حقوق الإنسان أن أهمية حماية البيانات باتت مضاعفة في ظل التوسع العالمي في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، لا سيما من قبل دول توصف بكونها “دول مراقبة شاملة”. وتشير تقارير حديثة إلى أن الصين طوّرت أدوات رقمية لرصد الأصوات المعارضة خارج حدودها، بما في ذلك تتبع نشاط نشطاء هونغ كونغ على وسائل التواصل الاجتماعي في الغرب.

وفي هذا الإطار، تبرز سويسرا بوصفها دولة تطبق معايير صارمة لحماية البيانات، متماشية مع اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات، ما يوفر مظلة قانونية إضافية للمنظمات الحقوقية والعاملين فيها.

استهداف المعارضين في الخارج

ورغم مغادرتهم هونغ كونغ، لا يزال العديد من النشطاء عرضة للضغوط والتهديدات. فقد أصدرت السلطات في هونغ كونغ مذكرات توقيف بحق شخصيات معارضة تقيم في الخارج، ورصدت مكافآت مالية مقابل معلومات تؤدي إلى تسليمهم. كما تعرضت عائلات بعض النشطاء داخل المدينة للملاحقة والاستجواب.

وتقول ناشطات في المنفى إن هذه الممارسات تهدف إلى إسكات الأصوات المعارضة وبث الخوف داخل الجاليات في الخارج، ما دفع كثيرين إلى التزام الصمت أو تقليص مشاركتهم العلنية في الفعاليات السياسية.

سويسرا… مساحة محدودة لكن مؤثرة

ورغم المخاوف من أن تمتد أنشطة المراقبة والتجسس إلى داخل أوروبا، يرى نشطاء أن وجود منظمات حقوقية دولية في سويسرا يمنحهم نافذة مهمة لإيصال قضيتهم إلى المحافل الدولية، لا سيما في جنيف، التي تحتضن مقر الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان.

وقال أحد النشطاء، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته: “الصمت قد يحمينا مؤقتًا، لكنه لا يمكن أن يكون خيارًا دائمًا. وجودنا في بلدان تحترم القانون يمنحنا فرصة لمواصلة النضال، حتى من المنفى”.

حراك مستمر رغم المنفى

منذ إقرار قانون الأمن القومي، اضطرت عشرات المنظمات المدنية والإعلامية في هونغ كونغ إلى حلّ نفسها أو نقل أنشطتها إلى الخارج. ومع ذلك، يؤكد نشطاء أن الحراك الديمقراطي لم ينتهِ، بل أعاد تنظيم نفسه في الشتات، مستفيدًا من شبكات دولية ودعم منظمات حقوق الإنسان.

وبينما تستمر الضغوط والتهديدات، يرى هؤلاء أن المنفى، على قسوته، بات مساحة بديلة لمواصلة الدفاع عن الحريات والديمقراطية في هونغ كونغ، في انتظار لحظة سياسية مختلفة.