أزمة إسكان صامتة في مصر… المقابر تتحول إلى مساكن دائمة»
سكان المقابر في مصر… فقرٌ يسكن بين الموتى وأسئلة معلّقة عن الجريمة والصحة النفسية
القاهرة
بين شواهد القبور وأحواش الموتى، تعيش آلاف الأسر في عدد من المدن المصرية، في ظاهرة اجتماعية باتت تُعرف باسم «سكان المقابر»، تعكس أزمة سكن ممتدة وفجوة عميقة في شبكات الحماية الاجتماعية، وفق باحثين اجتماعيين.
ويرجع خبراء أسباب لجوء بعض المصريين إلى السكن داخل المقابر إلى الفقر المدقع، وارتفاع الإيجارات، والهجرة الداخلية من الريف إلى المدن، إضافة إلى العمل المرتبط بخدمة الجبانات، حيث تحوّل الإقامة المؤقتة إلى سكن دائم في ظل غياب بدائل رسمية. وتشير تقديرات غير رسمية إلى تركز الظاهرة في جبانات القاهرة الكبرى، مع وجود أطفال ونساء وكبار سن.
الظاهرة ليست حكرًا على مصر، إذ سُجلت حالات مماثلة في دول مثل الفلبين والهند وبعض بلدان أمريكا اللاتينية، حيث يقود الفقر الحضري الحاد إلى أنماط سكن غير إنسانية، بحسب تقارير اجتماعية دولية.
وعلى الرغم من ربط سكان المقابر إعلاميًا بالجرائم، يؤكد مختصون أنه لا توجد إحصاءات رسمية تُثبت ارتفاع معدلات الجريمة بينهم مقارنة بمناطق فقيرة أخرى، مشيرين إلى أن غالبية الوقائع المتداولة فردية جرى تعميمها، وأن الوصم الاجتماعي يسهم في تشويه الصورة العامة لهؤلاء السكان.
في المقابل، يحذر أطباء نفسيون من الآثار العميقة للعيش وسط المقابر، خاصة على الأطفال، بما في ذلك الاكتئاب، واضطرابات القلق، وضعف الشعور بالأمان والانتماء. ويؤكدون أن البيئة المحيطة قد تُفاقم الهشاشة النفسية وتُنتج مشكلات طويلة الأمد إذا لم تُعالج مبكرًا.
أما الروايات المتداولة حول «سرقة الجثث»، فيصفها باحثون بأنها نادرة ومحدودة، وغالبًا ما ارتبطت بحوادث قديمة أو بعصابات خارج نطاق السكان المقيمين فعليًا في الجبانات، معتبرين استخدامها المتكرر نوعًا من التهويل الإعلامي.
ويرى خبراء أن معالجة الظاهرة تتطلب حلولًا إنسانية مستدامة، تقوم على توفير بدائل سكنية آمنة، وبرامج دمج اجتماعي ودعم نفسي وتعليمي، بدلًا من الاقتصار على الإخلاءات أو المقاربات الأمنية.
ويخلص مراقبون إلى أن «سكان المقابر» ليسوا ظاهرة استثنائية، بل نتيجة مباشرة لاختلالات اقتصادية واجتماعية تراكمت عبر عقود، ما يضع ملف السكن اللائق في صدارة التحديات الملحّة أمام صناع القرار.

