مسيحيو غزة… معاناة مضاعفة في ظل حرب لا تستثني أحدًا

غزة 

 منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، يواجه المسيحيون، وهم من أصغر المكوّنات الدينية في القطاع، واقعًا إنسانيًا بالغ القسوة، لا يختلف في جوهره عن معاناة سائر السكان، لكنه يتخذ أبعادًا خاصة بسبب هشاشة أوضاعهم العددية والاجتماعية والدينية.

ويقدَّر عدد المسيحيين في غزة ببضع مئات فقط، معظمهم من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية، وقد عاشوا تاريخيًا كجزء أصيل من النسيج الاجتماعي الفلسطيني. إلا أن الحرب الأخيرة قلبت حياتهم رأسًا على عقب، ودفعتهم إلى مواجهة تحديات وجودية غير مسبوقة.

كنائس تحولت إلى ملاجئ

مع تصاعد القصف واتساع رقعته، اضطرت عشرات العائلات المسيحية إلى النزوح من منازلها المدمرة أو المهددة، لتلجأ إلى الكنائس التي تحولت إلى ملاجئ طارئة. ورغم محدودية الإمكانات، أصبحت هذه الكنائس مأوى لكبار السن والأطفال والنساء، في ظل نقص حاد في الغذاء والمياه والأدوية.

ويؤكد شهود عيان أن أماكن العبادة لم تسلم بدورها من آثار القصف والدمار، ما زاد من حالة الخوف والقلق، خاصة مع شعور السكان بأن لا مكان آمن في القطاع.

خسائر بشرية ونفسية عميقة

لم تقتصر المعاناة على النزوح وفقدان المنازل، بل طالت الأرواح أيضًا، حيث فقدت العائلات المسيحية أقارب وأصدقاء نتيجة القصف، ما ترك جروحًا نفسية عميقة، خصوصًا في مجتمع صغير مترابط يعرف أفراده بعضهم بعضًا.

ويعاني الكثيرون من صدمات نفسية حادة، في ظل غياب خدمات الدعم النفسي، وانشغال النظام الصحي المنهك بمحاولة إنقاذ المصابين وسط نقص حاد في الإمكانات الطبية.

عزلة وخوف على المستقبل

إلى جانب الخسائر المباشرة، يعيش مسيحيو غزة حالة من القلق الوجودي بشأن مستقبل وجودهم في القطاع. فالهجرة، التي كانت خيارًا مطروحًا سابقًا لبعض العائلات، أصبحت حلمًا بعيد المنال في ظل إغلاق المعابر وتشديد القيود.

ويخشى كثيرون أن تؤدي هذه الحرب إلى تقليص الوجود المسيحي التاريخي في غزة، ليس بفعل الاستهداف المباشر، بل نتيجة الظروف القاسية التي تدفع نحو الرحيل القسري أو الاستنزاف البطيء.

معاناة مشتركة ورسالة صمود

ورغم خصوصية أوضاعهم، يؤكد مسيحيو غزة أن معاناتهم لا تنفصل عن معاناة الشعب الفلسطيني ككل. ويشددون على قيم التعايش والصمود المشترك، معتبرين أن ما يجري هو مأساة إنسانية تطال الجميع دون تمييز.

وفي ظل استمرار الحرب، تبقى أصوات مسيحيي غزة خافتة لكنها حاضرة، تروي قصة أقلية صغيرة تدفع ثمنًا باهظًا في صراع لا ترجو منه سوى السلام، والقدرة على البقاء في أرض تعتبرها وطنًا وإرثًا روحيًا وتاريخيًا لا يمكن التفريط به.