"إبراهيم باشا"صانع المجد وباني جيش مصر الحديث
على مرّ القرون، لم تتوقف مصر عن إنجاب القادة الذين غيّروا مجرى التاريخ
من صلاح الدين الذي حرّر القدس، إلى بيبرس الذي دحر المغول، وصولًا إلى رجلٍ أعاد للأمة روحها بعد قرونٍ من الانكسار
رجلٍ صنع جيشًا من لا شيء، فصعدت مصر على يديه إلى مصاف القوى الكبرى في القرن التاسع عشر
إنه القائد الذي واجه أوروبا كلها باسم مصر… إنه إبراهيم باشا بن محمد علي
الميلاد والبداية
وُلد إبراهيم باشا في أواخر القرن الثامن عشر، في بلدة قولة بالأناضول، ونشأ في كنف والده محمد علي باشا، والي مصر ومؤسس نهضتها الحديثة
منذ شبابه، كان إبراهيم مختلفًا عن كل من حوله: هادئًا، صارمًا، لا يتكلم كثيرًا، لكنه يملك نظرة قائد حقيقي
لم يورثه والده الحكم، بل ورّثه المسؤولية… وألقاه في قلب المعارك ليصنع نفسه بنفسه
البداية في ميادين القتال
يقول البارون دوبوا لوكومت عن إبراهيم باشا أنه كان عربي الهوى اختار أن يكون مصريا بعاطفة قوية وإدراك عميق ودِرَاية نافذة، وكان يرفض أن يُنسب لأي بلد آخر، خاصة تركيا التي عاب عليه البعض، الطعن فيها.. فكان يقول: “أنا لست تركيًّا.. لقد جئت إلى مصر صبيًا، ومنذ ذلك الحين مَصَّرَتْنِي شمسها، وتغيّر دمي، حتى أنه صار دمًا عربيًّا”. وعندما كَاتَبَ القائد الفذ أباه، أثناء حصار عكّا، بعد تواتر الأخبار عن الحشود العثمانية التي جهّزها السلطان؛ للحيلولة دون وقوع المدينة الاستراتيجية في قبضة الجيش المصري- حملت رسالته عبارات ملئوها الثقة في نفسه ورجاله الأشداء.. كان من بينها “… إن العالم كله لا يضم مثل هذه الكوكبة من الجنود البواسل من أبناء العرب، الذين أشرف بأن أكون قائدا لهم”. يضيف البارون لوكومت أن إبراهيم كان يجاهر بالدعوة إلى إحياء القومية العربية، وإعادة بعث روح الأمة الواحدة، ويعتبر المنصفون من المؤرخين، إبراهيم باشا أحد أعظم القادة العسكريين على مر التاريخ.. الشام ضد الدولة العثمانية، التي شارف على دخول عاصمتها منتصرا- فحسب؛ بل لما أثبته من تفوق خططي وتكتيكي في ميادين المعارك، ربما لم يسبقه إليه قائد عسكري في ذلك سنتعرف عن قُرب على أهم إنجازات إبراهيم باشا العسكرية، والمعارك الحاسمة التي خاضها، وكان النصر حليفه فيها.الزمان..لمواجهة الأطماع والتحديات التي تحيط بهاالعصر وطعنه عدة طعنات أودت بحياته
أولى معاركه كانت في الحجاز، حيث أرسله والده لمحاربة الوهابيين الذين سيطروا على الحرمين الشريفين
هناك أظهر إبراهيم باشا حنكة عسكرية غير مسبوقة، فاستخدم تكتيكات حديثة، وحقق الانتصار تلو الآخر، حتى دخل مكة والمدينة ورفع راية مصر على أرض الجزيرة العربية
في تلك اللحظة، عرف العالم أن في مصر جيشًا جديدًا، وقائدًا وُلد ليصنع التاريخ
الحملة على السودان
بعد الحجاز، تولى إبراهيم باشا قيادة **الحملة على السودان لتوحيد وادي النيل تحت راية مصر
واجه الصحارى القاسية والأمراض والمجاعات، لكنه لم يتراجع
بنى الحصون، وأسس المدن، وربط الجنوب بالشمال، لتمتد حدود مصر كما لم تمتد منذ أيام الفراعنة
الحرب الكبرى في بلاد الشام
عام 1831، جاءت اللحظة التي ستغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط
قرر محمد علي باشا أن يرسل جيشه بقيادة إبراهيم لضم بلاد الشام، بعد أن تمردت عليه الدولة العثمانية
تحرك إبراهيم بجيش مدرب ومسلح على الطراز الأوروبي، عبر سيناء إلى غزة، ومنها إلى عكا التي كانت حينها من أعظم الحصون
حاصرها حصارًا دقيقًا استمر شهورًا، ثم اقتحمها بمدافعه الحديثة، فسقطت المدينة واهتز العرش العثماني
معركة قونية 1832
كانت معركة قونية ذروة مجده العسكري
واجه فيها الجيش العثماني بقيادة الصدر الأعظم رشيد باشا، وكانت قوات العثمانيين ضعف عدد جيشه تقريبًا
لكن إبراهيم استخدم أسلوبًا جديدًا في المناورة والالتفاف، فهاجم من الجناح، وقطع خطوط الإمداد، ثم اخترق قلب الجيش العثماني في ساعات قليلة
النتيجة: نصر ساحق، وأسر قائد العثمانيين نفسه
عندها فتحت له الطريق إلى الأناضول، وبدأت أوروبا ترتجف من صعود قوة مصر
الخطر الأوروبي
أدركت الدول الأوروبية أن محمد علي وابنه إبراهيم أصبحا يشكلان خطرًا على توازن القوى في المنطقة
فرنسا كانت تؤيدهما سرًا، بينما بريطانيا وروسيا والنمسا تحالفت ضدهما علنًا
أرسلت أوروبا أساطيلها إلى الشام، وبدأ الضغط الدبلوماسي والعسكري على مصر
وبرغم أن جيش إبراهيم ظل صامدًا في سوريا ولبنان، إلا أن المؤامرات الدولية أجبرته في النهاية على الانسحاب
جيش مصر الحديث
كان إنجاز إبراهيم باشا الحقيقي لا يقتصر على الانتصارات… بل في بناء أول جيش مصري حديث منذ الفراعنة
جيش منظم، من أبناء الفلاحين المصريين، يتدربون وفق العلوم العسكرية الأوروبية، ويتسلحون بأحدث الأسلحة
أنشأ المدارس الحربية، وأرسل البعثات إلى فرنسا، وأدخل مفهوم الانضباط والروح الوطنية في الجيش
كان يقول لجنوده
أنتم جيش مصر… لا جيش محمد علي، ولا جيش إبراهيم. أنتم جيش الأمة
أيام المجد الأخيرة
في سنواته الأخيرة، أصيب إبراهيم باشا بالمرض، لكنه لم يتخلَّ عن مسؤوليته
تولى حكم مصر مؤقتًا بعد والده، وكان حلمه أن يرى جيشه يرفع راية مصر فوق القسطنطينية
لكن القدر لم يمهله، فوافته المنية عام 1848م، بعد حياة مليئة بالبطولات والتحديات
الخاتمة – إرث لا يموت
رحل إبراهيم باشا… لكن أثره بقي خالدًا في كل حجرٍ بُني في الجيش المصري، وفي كل نظامٍ أرساه محمد علي من بعده
هو الرجل الذي حوّل مصر من ولاية خاضعة… إلى دولة يُحسب لها ألف حساب
ومن بين رماد العصور، أعاد إحياء فكرة مصر القوية المستقلة، القادرة على مواجهة الشرق
والغرب معًا
النهاية الوثائقية
من الظاهر بيبرس إلى إبراهيم باشا، تتجلى روح مصر التي لا تنكسر
وفي الحلقة القادمة، ننتقل إلى زمنٍ جديد، حيث تحولت البنادق إلى مصانع، والممالك إلى دول قومية… إلى عهد الزعيم الذي أشعل نهضة القرن العشرين
جمال عبد الناصر – الحلم الذي صار ثورة
