الملكة فيكتوريا وخادمها المسلم: صداقة سرية قلبت قواعد البلاط البريطاني رأساً على عقب
في حياة الملكة فيكتوريا، الأم الحازمة لأوروبا وزوجة الأمير ألبرت، هناك فصل خفي ظل بعيداً عن أعين التاريخ الرسمي: صداقة غير متوقعة مع شاب هندي مسلم يُدعى محمد عبد الكريم، قلبت قواعد البلاط البريطاني رأساً على عقب.
ولد عبد الكريم في الهند عام 1863 في أسرة مسلمة، وكان الثاني بين ستة أطفال. وعمل والده في مستشفى مع وحدة سلاح الفرسان البريطاني، بينما عمل كريم لاحقاً ككاتب في سجن بمدينة أغرة، حيث كان السجناء يتعلمون حرفة نسج السجاد ضمن برنامج إعادة التأهيل. وفي عام 1886، سافر عدد من هؤلاء السجناء إلى لندن لعرض منتجاتهم في معرض، وكان كريم يساعد مشرف السجن، جون تايلر، في تنظيم الرحلة.
حين زارت الملكة فيكتوريا المعرض، لفت كريم انتباهها بذكائه وحضوره اللائق. فقد أرادت الملكة، التي كانت قد لقبت إمبراطورة للهند، أن تختار خادمين هنود للعمل معها خلال احتفالات اليوبيل الذهبي لعام 1887. وقع اختيار تايلر على كريم وزميله محمد بوكش، وبدأ كريم رحلة التعلم السريعة للغة الإنجليزية وآداب البلاط البريطاني.
التقى كريم بالملكة لأول مرة في 23 يونيو 1887، خلال تقديم الإفطار في "فروغمور هاوس" بويندسور. وسرعان ما بدأت الملكة في تعلم بعض كلمات اللغة الهندوستانية على يد خادميها، ثم توسعت العلاقة لتصبح أكثر عمقاً عندما بدأ كريم بتدريسها اللغة الأردية، قبل أن تتحول محادثاتهما إلى فلسفة وسياسة وأحاديث شخصية.
وفي عام 1888، بعد عام واحد من وصوله إلى إنجلترا، رفعته الملكة إلى منصب "مونشي" أي المعلم الخاص، وكرّسته لمركز قريب منها في قلعة بالمورال باسكتلندا، متجاوزة بذلك كل الأعراف الاجتماعية والسياسية في البلاط.
لكن هذه الصداقة لم تحظ بقبول العائلة المالكة أو المحيطين بها، الذين رفضوا إعطاء كريم أي مكانة فوق رتبة خادم بسيط، ورأوا في قربه من الملكة إهانة للبلاط البريطاني التقليدي. ورغم ذلك، دافعت الملكة عنه بكل حزم.
أصبح سر صداقتهما محاطاً بالغموض بعد وفاة فيكتوريا عام 1901، حين أمر ابنها إدوارد السابع بإحراق جميع الرسائل المتبادلة بينهما، في محاولة لتغطية أي دليل على العلاقة الاستثنائية التي جمعت الملكة بخادمها.
لكن قصة عبد الكريم لم تُنسَ تماماً. فقد احتفظ أقاربه بمذكراته، التي كشفت جانباً جديداً من حياة الملكة، وعاد الاهتمام بها مع إصدار كتاب صحفية عن علاقتهما، ثم فيلم "فيكتوريا وعبدول" عام 2017، الذي أعاد تصوير هذه الصداقة غير المألوفة، مؤكداً أن ما جرى كان حقيقياً، وإن بدا أحياناً أقرب للخيال.
من خلال هذه القصة، يظهر لنا التاريخ البعيد وجهاً إنسانياً مختلفاً للسلطة، وجسراً من الصداقة والثقة بين قلبين من عالمين متباعدين، متحدين فقط بالاحترام المتبادل والفضول المشترك.
