أم الإمارات" وصانعات السلام بقلم.... أحمد فاضل
لم تعد الإمارات تمنح المرأة مجرد تمكين، أو تمهّد لها طريقًا في مسار السلام فحسب، بل قلبت الطاولة على المفاهيم التقليدية، وجعلت المرأة نفسها طريقًا للسلام، واستبقت الجميع بتغيير السؤال من: “هل تستطيع المرأة المشاركة؟” إلى سؤال أشد عمقًا وتأثيرًا: كيف يمكن للمرأة أن تقود هندسة الأمن الإقليمي والدولي؟
هذا التحوّل تجسده مبادرة “المرأة والسلام والأمن” التي أطلقتها سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك “أم الإمارات”، هذه هي اللحظة التي تصنعها الإمارات اليوم، لحظة ولادة جيل نسائي جديد يتقدم إلى واجهة العالم بثقة وقوة واستحقاق، ليترك بصمة لا تمحى في مسار السلام والأمن.
وفي حوار جمع بين العمق السياسي والاستراتيجي والوعي الفكري، قدّمت الدكتورة موزة الشحي، مديرة مكتب اتصال هيئة الأمم المتحدة للمرأة لدول مجلس التعاون الخليجي، واحدة من أهم وأبرز القراءات التحليلية لمسار تمكين المرأة إقليميًا وعالميًا، خلال لقاء إعلامي مع مجلة Marie Claire أدارته ببراعة الكاتبة الصحفية الدكتورة أرزة نخلة، مدير تحرير المجلة.
وارتكز الحوار على شرح المبادرة كمشروع إماراتي استثنائي يعيد تعريف دور المرأة من مجرد متلقية للتمكين إلى قوة فاعلة تعيد رسم خرائط الأمن الإقليمي والعالمي.
وغاص الحوار في جوهر الأمن والسلام الاستراتيجي، وكيف تحولت الإمارات من دولة تدعم النساء إلى دولة تصنع قيادات نسائية قادرة على صناعة السلام في كل مكان في العالم.
وتجمع المبادرة بين التدريب العسكري والمهارات الميدانية والتأهيل الأكاديمي في الدبلوماسية وصنع القرار وإدماج المرأة في السياسات الخارجية، لتأسيس جيل جديد من القيادات النسائية القادرة على التأثير الإقليمي والدولي. هذه ليست خطوات رمزية، بل هندسة جديدة لمفهوم الأمن المستدام.
وأشارت الدكتورة موزة الشحي إلى الفجوات العالمية الكبرى في ضعف التشريعات، محدودية المشاركة في صنع القرار، غياب التدريب المؤسسي المتخصص، وتجاهل البعد السيبراني بوصفه ساحة الحرب القادمة.
وتعالج مبادرة الإمارات هذه الفجوات واحدًا تلو الآخر عبر مزيج من التدريب الميداني والتأهيل الفكري، وتمكين المرأة من خوض معارك السلام بأدوات المستقبل لا بأدوات الأمس.
أُطلقت المبادرة في سبتمبر 2018 كمشروع مشترك بين وزارة الدفاع في الإمارات والاتحاد النسائي العام بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة.
وفي يناير 2019 انطلقت الدفعة الأولى بمشاركة 134 امرأة من سبع دول عربية لتتلقى تدريبًا عسكريًا وميدانيًا في مدرسة خولة بنت الأزور العسكرية بأبوظبي، وفي عام 2020 جاءت الدفعة الثانية وضمت 223 امرأة من 11 دولة عربية وأفريقية وآسيوية، ما يعكس توسع المبادرة وتصاعد أهميتها. وفي الدورة الثالثة عام 2022 خضعت نحو 140 متدربة لتدريب عسكري وأكاديمي ضمن جهود تعزيز مشاركة المرأة في حفظ السلام. وبحسب البيانات الرسمية، تجاوز عدد الخريجات حتى اليوم 600 امرأة من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
وفي أكتوبر 2025 انطلق البرنامج التدريبي الخامس بمشاركة نساء من 18 دولة شملت الإمارات ومصر وأنغولا وكينيا وغامبيا وباكستان وتنزانيا وبوليفيا وغيرها، في توسع جغرافي يؤكد تحول المبادرة إلى نموذج دولي يُحتذى به. وبهذا المسار، لم تعد المبادرة تجربة مرحلية، بل مشروعًا مستدامًا يتطور من تدريب محلي إلى منصة متعددة الجنسيات تبني قيادات نسائية عالمية للسلام والأمن.
ومن أبرز ما يميز رؤية الإمارات أنها لا تقدم التمكين باعتباره مبادرة اجتماعية، بل استراتيجية أمن قومي؛ فالمرأة ليست جمهورًا مستهدفًا، بل جزءًا من معادلة الإنتاج والاستقرار والتأثير الدولي، حيث أن الإمارات لا تعمل فقط على تدريب النساء، بل على إعادة تشكيل الهياكل التي تُتخذ فيها القرارات داخل الدولة وفي المؤسسات الدولية عبر شراكات وثيقة مع الأمم المتحدة.
هذا النموذج أصبح أحد أبرز التجارب العالمية، لأنه لا يكتفي بالمشاركة، بل يسعى لنقل المرأة من دور المتدربة إلى دور صانعة السياسات.
أسئلة الحوار التي طرحتها الدكتورة أرزة نخلة كشفت العمق الحقيقي للمبادرة: ماذا يعني أن تفتح الإمارات مدارسها العسكرية لنساء من 18 دولة؟ وماذا يعني أن تتحول من دولة داعمة للسلام إلى دولة صانعة لصانعي السلام؟ وكيف يمكن إعادة تعريف الأمن الدولي من بوابة المرأة؟
الإجابة كانت واضحة: الإمارات تصنع جيلاً نسائيًا لا يقف عند حدود التمكين التقليدي، بل يمتلك القوة لإدارة النزاعات، وإطفاء الحروب، وإعادة رسم خرائط الأمن الدولي، جيل يحوّل التحديات إلى فرص، والصراعات إلى استقرار، والعالم إلى منصة لصناعة سلام حقيقي.
ختامًا، الإمارات لم تفتح مدارسها العسكرية وتخصص برامجها الدبلوماسية لتضيف رقمًا جديدًا إلى تقارير الأمم المتحدة، بل لتغير قواعد اللعبة في عالم تتقلب فيه الأزمات والصراعات.
هذا المشروع لم يعد مجرد مبادرة، بل تحول إلى بنية استراتيجية تعيد تعريف الأمن، وتعيد صياغة دور المرأة، وتبني جيلاً من صانعات السلام القادرات على إطفاء النزاعات وصناعة الاستقرار، ويمكن القول إن الإمارات لا تصنع نساءً قياديات فقط، بل تصنع مستقبلًا جديدًا تمسكه أيادٍ نسائية تعرف كيف تحول التحديات إلى فرص، وتكتب فصول السلام القادمة.
