سرقة رأس القديس مرقس: قرصنة بحرية تهز الإسكندرية
الإسكندرية
في واحدة من أخطر الحوادث التي شهدتها مصر في أواخر العصر المملوكي، تعرضت مدينة الإسكندرية عام 1419م لهجوم عنيف نفذه قراصنة قادمون من البندقية، انتهى بسرقة رأس القديس مرقس الرسول من الكنيسة المرقسية، أقدم الكنائس المصرية ومقر الكرازة المرقسية، في واقعة أثارت غضبًا شعبيًا واسعًا بين المسلمين والمسيحيين على السواء.
ووقعت الحادثة خلال حكم السلطان المملوكي المؤيد شيخ، في فترة كانت فيها الدولة المملوكية تعاني من ضعف أمني وتراجع في السيطرة البحرية، ما جعل السواحل المصرية هدفًا متكررًا لهجمات القراصنة. ووفق الروايات التاريخية، باغت القراصنة مدينة الإسكندرية دون مقاومة تُذكر، قبل أن يتصدى لهم حمالو الميناء بالعصي والسيخ الحديدية، في معركة غير متكافئة أسفرت عن سقوط نحو 20 قتيلًا من الأهالي، مقابل قتيل واحد فقط من القراصنة.
وعقب إغلاق باب البحر، واصل القراصنة انتشارهم على طول الساحل، فهاجموا المنازل، ونهبوا الممتلكات، واختطفوا عددًا من النساء والأطفال، قبل أن يتوغلوا داخل المدينة ويصلوا إلى الكنيسة المرقسية. وهناك، وبعد اشتباكات مع حراس الكنيسة سقط خلالها قتلى وجرحى، اقتحم القراصنة المكان واستولوا على أيقونات وتحف ثمينة، قبل أن يعثروا على صندوق صغير يحتوي على جمجمة، تبيّن لاحقًا أنها رأس القديس مرقس الرسول. ونقلت المصادر أن قائد القراصنة هتف عند تأكدهم من هوية الجمجمة: «الآن اكتمل الجسد».
وأشعلت الحادثة موجة غضب عارمة في القاهرة، حيث تحرك مئات المتطوعين نحو الإسكندرية حاملين الأسلحة البيضاء، غير أن وصولهم جاء متأخرًا بعد أن غادر القراصنة المدينة، تاركين وراءهم جراحًا عميقة وإهانة دينية اعتُبرت مساسًا بأحد أقدس الرموز المسيحية في مصر.
ويُعد القديس مرقس الرسول مؤسس الكنيسة المصرية وأحد كتبة الأناجيل الأربعة، وقد استشهد في الإسكندرية بعد أن سُحل في شوارعها على يد الوثنيين في العصر الروماني. وتحتفظ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بذكراه سنويًا في 26 أبريل، باعتباره رمزًا للتضحية وبداية المسيحية في مصر وإفريقيا.
وتُعد سرقة عام 1419 واحدة من عدة محاولات تعرضت لها رفات القديس مرقس عبر القرون. فبحسب مصادر تاريخية، سُرق الجسد دون الرأس عام 828م على يد تاجرين من البندقية تمكنا من تهريبه داخل برميل مغطى بلحم الخنزير، ليصل إلى إيطاليا حيث أُهدي إلى دوق البندقية، وأقيمت لاحقًا كاتدرائية سان ماركو الشهيرة، ليصبح القديس مرقس شفيع المدينة ورمزها الرسمي.
أما في حادثة 1419، فقد تحولت القضية إلى أزمة سياسية وتجارية، خاصة أن البندقية كانت الشريك التجاري الأكبر لمصر المملوكية. وبعد رفض القنصل البنادقي في الإسكندرية، ويدعى دولفين، طلبًا رسميًا بإعادة الرأس، لوّحت السلطات المملوكية بإجراءات عقابية شملت منع السفن البنادقية من مغادرة الميناء. وتحت ضغط الخسائر الاقتصادية المحتملة، اضطر مجلس التجار البنادقة بعد عدة اجتماعات وتصويتات إلى الرضوخ، وتم تسليم رأس القديس مرقس لتعود إلى مكانها في الكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية.
وظلت قضية استعادة الجسد الكامل للقديس مرقس حاضرة في وجدان الكنيسة القبطية لأكثر من ألف عام، إلى أن نجح البابا كيرلس السادس عام 1968، وبالتعاون مع الحكومتين المصرية والإيطالية، في استعادة أجزاء من الرفات. وأعيد دفنها في الكاتدرائية المرقسية الجديدة بالعباسية، في احتفال رسمي مهيب حضره الرئيس جمال عبد الناصر والإمبراطور هيلا سيلاسي، إيذانًا بعودة جزء من أحد أقدس رموز التاريخ الديني المصري إلى موطنه الأصلي.
