من سلم الخدم إلى أبواب الرحمة… حكاية تحية كاريوكا
القاهرة
الوكالة الكندية للأنباء
لم تكن تحية كاريوكا امرأة عادية في تاريخ الفن المصري، بل كانت حالة إنسانية معقدة، مزيجًا نادرًا من القوة والكرامة والرحمة. تزوجت كثيرًا، لكن أطول زيجاتها وأكثرها قسوة كانت من الممثل والمؤلف المسرحي فايز حلاوة، زواج استمر 18 عامًا، منحته فيه الثقة والدعم والاسم، وساهمت بشكل مباشر في صعوده الفني.
غير أن هذه الثقة تحولت مع الوقت إلى وجع. تصاعدت الخلافات، وتردد أن الخيانة كانت أحد أسبابها، حتى وصلت العلاقة إلى ذروة مهينة: طُردت تحية من شقتها، وقيل إنها خرجت بملابس البيت، وربما بملابس النوم، بعد أن جُردت من مجوهراتها. اختارت النزول من سلم الخدم حتى لا يراها أحد، في مشهد يلخص سقوط نجمة كبيرة من علياء الشهرة إلى قاع القسوة الإنسانية.
رفضت تحية اللجوء إلى أي شخص، وفضلت العيش في شقة متواضعة فوق السطوح، محتفظة بكرامتها. وخلال سفرها لأداء خدمة في مقام السيد البدوي، فوجئت بمالكة العقار تلقي بأثاثها في الشارع طمعًا في الشقة، لتتولى رجاء الجداوي استلام المتعلقات من قسم الشرطة.
لم تجد تحية ملاذًا إلا عند الشيخ محمد متولي الشعراوي، وطلبت الطلاق. وافق فايز، لكن بشروط صادمة: الاحتفاظ بشقة الزمالك الكبرى، وعدم تسليم مجوهراتها وملابس أفلامها، وعودتها لتصوير مسرحية «يحيا الوفد» ليبيعها للتلفزيون.
جمع الشيخ الشعراوي الطرفين في بيته يوم شم النسيم، وبعد أن تعهد فايز بقبول الحكم، قضى الشيخ بدفع نفقة متعة قدرها 500 ألف جنيه لتحية. لكن الحكم لم يُنفذ، فرفعت تحية قضية، ثم توقفت عن حضور الجلسات.
وعندما سألها الشيخ عن السبب، أجابت بكلمات كشفت معدنها الإنساني:
"الرجل متزوج وعنده بنات وليس لديه شقة… يذهب بهم إلى أين؟ أنا كبرت، ولا أقدر على رعاية شقة كبيرة."
كانت تقيم وقتها في شقة تبرعت بها سيدة خليجية تعاطفًا مع ما تعرضت له.
كبرت تحية، لكن قلبها اتسع أكثر. ففي أحد الأيام، وجدت طفلة رضيعة متروكة أمام باب شقتها، فحملتها إلى الشيخ الشعراوي تسأله ماذا تفعل. أجابها ببساطة عميقة:
"ربنا بعتلك اللي تاخدي بإيده للجنة… ربيها."
فربت الطفلة، وكانت تمزح قائلة: "أنا خلفت بعد السبعين."
في أيامها الأخيرة، زارها فايز حلاوة في المستشفى، وكانت شبه غائبة عن الوعي. همس لها: "إنتِ الرقدة دي مش ليكي." فتحت عينيها وسألته: "لسه بتحبني؟"
انهار باكيًا وطلب السماح، فغفرت له في لحظاتها الأخيرة.
رحلت تحية كاريوكا عام 1999 عن عمر ناهز 84 عامًا، تاركة خلفها سيرة لا تختصر في الفن وحده، بل في إنسانة دفعت ثمن الكرامة، واختارت الرحمة حتى في أقسى لحظاتها.
