«سفر العذراء» ليوسف زيدان: حين يتحوّل الادّعاء المعرفي إلى عبء سردي


 الوكالة الكندية للأنباء 

يثير يوسف زيدان في روايته «سفر العذراء» جدلاً واسعًا، لا بفضل ابتكار فني أو مغامرة جمالية جديدة، بل بسبب استمرار الكاتب في توظيف الرواية كمنصة أيديولوجية وخطابية، تُثقِل النص أكثر مما تخدمه. فالرواية، التي تُقدَّم بوصفها عملًا تاريخيًا–روحانيًا، تكشف عند القراءة المتأنية عن أزمة مزدوجة: أزمة سرد، وأزمة رؤية.

سرد مترهّل ومعرفة استعراضية

أولى إشكاليات الرواية تكمن في طغيان “المعلومة” على “الحكاية”. فزيدان، كعادته، لا يثق كثيرًا بقارئه ولا بقدرة السرد على الإيحاء، فيغرق النص بسيل من الشروح التاريخية واللاهوتية، تُقدَّم في كثير من المواضع بوصفها حقائق نهائية لا تحتمل الجدل. وبهذا تتحوّل الرواية إلى ما يشبه محاضرة مطوّلة، يُستَخدم فيها السرد كغطاء رقيق لخطاب معرفي استعراضي.

الشخصيات كأدوات فكرية لا ككائنات حيّة

تعاني شخصيات «سفر العذراء» من تسطيح واضح؛ فهي لا تنمو نفسيًا ولا تتطوّر دراميًا، بل تُسخَّر لتأكيد أفكار الكاتب المسبقة. الشخصيات هنا لا تتكلّم بقدر ما “تُلقّن”، ولا تتحرّك بدافع داخلي، بل وفق ما يخدم الأطروحة الفكرية للنص. والنتيجة شخصيات ورقية، أقرب إلى رموز جامدة منها إلى بشر من لحم ودم.

إعادة إنتاج الجدل بدل تجاوزه

بدل أن يقدّم زيدان قراءة روائية خلاقة للتاريخ الديني، يقع النص في فخ الاستفزاز المتعمَّد. فالرواية لا تسعى إلى تعقيد الأسئلة بقدر ما تسعى إلى هزّ المسلّمات بأسلوب مباشر، أحيانًا فظّ، يفتقر إلى الحساسية الفنية. وهنا يبدو أن الجدل أصبح غاية في حد ذاته، لا وسيلة لإنتاج أدب عميق أو مختلف.

أزمة الكاتب الذي يكتب من علٍ

أخطر ما في «سفر العذراء» هو ذلك الصوت العارف المتعالي الذي يهيمن على النص. صوت لا يشكّ، لا يتردّد، ولا يترك مساحة للغموض الخلّاق. وهذا ما يفقد الرواية أحد أهم عناصر الأدب: التعدّد، والاحتمال، وحق القارئ في التأويل.