دولة تحت الكاميرا: كيف أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل حياة الصينيين؟
في شوارع المدن الصينية، من بكين إلى شنغهاي، لا يمرّ المواطن العادي دون أن تلتقطه عدسة كاميرا. فوق أعمدة الإنارة، عند مداخل المترو، في المجمعات السكنية وحتى داخل المصاعد، تنتشر ملايين الكاميرات التي تعمل جنبًا إلى جنب مع تقنيات متقدمة من الذكاء الاصطناعي، لتشكّل واحدة من أكثر منظومات المراقبة تطورًا واتساعًا في العالم.
شبكة كاميرات بلا سوابق
خلال العقدين الماضيين، استثمرت الصين بشكل هائل في بناء بنية تحتية رقمية تعتمد على كاميرات المراقبة عالية الدقة، المزودة بتقنيات التعرف على الوجوه، وتحليل الحركة، وتتبع السلوك. هذه الكاميرات لا تكتفي بتسجيل الفيديو، بل “تفهم” ما تراه: تحدد هوية الأشخاص، تقدّر أعمارهم، ترصد تعابير وجوههم، وتتابع مساراتهم في الأماكن العامة.
وتقول السلطات الصينية إن الهدف الأساسي من هذا الانتشار الواسع هو تعزيز الأمن العام، ومكافحة الجريمة، وتنظيم المدن الذكية. وتشير تقارير رسمية إلى أن هذه التقنيات ساهمت في سرعة القبض على مطلوبين، والعثور على أطفال مفقودين، والحد من بعض الجرائم.
الذكاء الاصطناعي… العقل الذي يدير العيون
القوة الحقيقية لهذه المنظومة لا تكمن في الكاميرات وحدها، بل في الخوارزميات التي تقف خلفها. أنظمة الذكاء الاصطناعي تقوم بتحليل كميات هائلة من البيانات في الزمن الحقيقي، وتربط بين الصور وقواعد بيانات ضخمة تشمل سجلات الهوية، والسفر، وأحيانًا النشاط الرقمي.
وفي بعض المدن، تُستخدم هذه الأنظمة للتنبؤ بـ“السلوكيات المشبوهة”، مثل التجمهر غير المعتاد أو التحركات التي تصنفها السلطات على أنها قد تشكل خطرًا على “الاستقرار الاجتماعي”.
نظام النقاط الاجتماعية
أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل هو ما يُعرف بـنظام الائتمان الاجتماعي، وهو إطار عام يهدف إلى تقييم “موثوقية” الأفراد والشركات بناءً على سلوكهم. ورغم اختلاف تطبيقه من منطقة إلى أخرى، إلا أن تقنيات المراقبة الرقمية، بما فيها الكاميرات والذكاء الاصطناعي، تلعب دورًا في تغذية هذا النظام بالبيانات.
قد تؤثر هذه التقييمات – وفق تقارير حقوقية – على فرص السفر، أو الحصول على قروض، أو حتى بعض الخدمات العامة.
بين الأمن والخصوصية
في مقابل الرواية الرسمية، تثير هذه المنظومة قلقًا واسعًا لدى منظمات حقوق الإنسان وخبراء الخصوصية، الذين يحذرون من تحول المجتمع إلى فضاء خاضع للمراقبة الدائمة، حيث يصبح الخط الفاصل بين الأمن والسيطرة رفيعًا للغاية.
ويرى منتقدون أن الاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي في المراقبة قد يؤدي إلى تقليص الحريات الفردية، وخلق مناخ من الرقابة الذاتية، حيث يتجنب الأفراد التعبير عن آرائهم أو سلوكياتهم خوفًا من التتبع والعقاب.
نموذج عالمي قيد التصدير
لم تعد التجربة الصينية محصورة داخل حدودها. فبعض الدول النامية تنظر إلى النموذج الصيني باعتباره حلًا سريعًا لمشكلات الأمن والإدارة، ما يفتح نقاشًا عالميًا حول مستقبل المراقبة، ومن يضع القواعد الأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي.
في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، تطرح التجربة الصينية سؤالًا جوهريًا:
هل يمكن تحقيق الأمن الذكي دون التضحية بخصوصية الإنسان؟
سؤال لا تزال إجابته مفتوحة… وتحت المراقبة.
