لماذا تتقدم مصر في معدلات التحرش الجنسي؟
في مشهد صادم يتكرر على ألسنة الضحايا وتقارير منظمات المجتمع المدني، تتصدر مصر بين الحين والآخر قوائم واستطلاعات تشير إلى ارتفاع معدلات التحرش الجنسي في الأماكن العامة. ورغم اختلاف الإحصاءات ومنهجيات القياس، فإن الشهادات الميدانية والبلاغات الرسمية تكشف أن الظاهرة لم تعد حالات فردية، بل أزمة اجتماعية تتطلب مواجهة شاملة.
أرقام وشهادات… ناقوس خطر
خلال العقد الأخير، تحوّل التحرش من سلوك يُمارس في الخفاء إلى ظاهرة تناقَش علنًا عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. حملات التوعية كشفت حجم المشكلة، ودفعت كثيرات إلى كسر حاجز الصمت، لكن الطريق لا يزال طويلًا.
القانون المصري شدّد العقوبات وجرّم التحرش بنصوص واضحة، إلا أن التحدي يكمن في التطبيق الحاسم وسرعة التقاضي، إلى جانب تغيير الثقافة المجتمعية التي طالما حمّلت الضحية جزءًا من المسؤولية.
لماذا تتفاقم الظاهرة؟
يرى خبراء أن الأسباب متشابكة، أبرزها:
ضغوط اقتصادية واجتماعية تخلق احتقانًا وسلوكيات عدوانية.
تأخر سن الزواج في ظل أزمات المعيشة.
ضعف التربية الجنسية السليمة في المناهج الدراسية.
ثقافة ذكورية تمنح بعض الرجال شعورًا زائفًا بالسلطة على جسد المرأة.
التساهل المجتمعي أو الصمت بدعوى “الفضيحة”.
الدين بين النص والتطبيق
أكدت مؤسسات دينية رسمية مثل الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية أن التحرش جريمة محرّمة شرعًا قبل أن تكون مجرّمة قانونًا، وأنه اعتداء صريح على كرامة الإنسان.
غير أن التحدي يكمن في تحويل الخطاب الديني من بيانات إدانة إلى برامج توعية ممتدة داخل المدارس والجامعات والمساجد، تُرسّخ مفهوم احترام الجسد والخصوصية، وتفكك خطاب تبرير الجريمة.
الإعلام… بين التوعية والإثارة
الإعلام شريك أساسي في المعركة. فقد ساهم في كشف وقائع صادمة وإطلاق حملات دعم للضحايا، لكنه في المقابل يُنتقد أحيانًا لتقديم محتوى يختزل المرأة في صورة استهلاكية، أو لتناول قضايا التحرش بنبرة مثيرة تفتقر إلى العمق.
المعادلة الصعبة تكمن في صناعة محتوى مسؤول يعالج الأزمة دون توظيفها لجذب المشاهدات.
الأم والأسرة… التربية تبدأ من البيت
تلعب الأم — ومعها الأب — دورًا محوريًا في تشكيل وعي الأبناء. غرس قيم الاحترام، وتعليم مفهوم “الحدود الشخصية”، وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الرجولة، تمثل خطوات أساسية في الوقاية المبكرة.
فالمتحرش لم يولد مجرمًا، بل تشكل وعيه في بيئة ما؛ إما صححت سلوكه أو غضّت الطرف عنه.
الحكومة… بين التشريع والتنفيذ
الحكومة شددت العقوبات القانونية وأطلقت حملات توعية، إلا أن خبراء يرون أن المواجهة تتطلب استراتيجية أشمل تشمل:
تفعيل القوانين بحزم وسرعة.
إدماج مناهج تعليمية عن المساواة والاحترام.
دعم مراكز الإبلاغ والحماية النفسية.
توفير إحصاءات شفافة ودورية.
المعركة الحقيقية
التحرش ليس أزمة نساء فقط، بل أزمة مجتمع بأكمله. وبين الدين والإعلام والأسرة والحكومة، تتوزع المسؤولية. السؤال الصادم الذي يفرض نفسه:
هل نكتفي بإدانة الجريمة بعد وقوعها، أم نبدأ في اجتثاث جذورها قبل أن تتكرر؟
المواجهة لن تُحسم بتغليظ العقوبات وحده، بل بإعادة بناء وعي جماعي يعيد للشارع المصري أمانه المفقود.
