جزيرة الحيوانات: دليل عملي على كذب الحضارة الحديثة
بقلم
فتحي درويش الضبع
لم تكن جزيرة جيفري إبستين مجرد بقعة معزولة في الكاريبي، بل كانت مرآة فاضحة لعالم يدّعي الطهارة وهو غارق حتى العنق في القذارة. جزيرة صغيرة، نعم، لكنها كشفت قبحًا هائلًا: قبح منظومة عالمية تحكم وتُحاضر وتُدين، بينما تمارس في الخفاء ما تعجز الحيوانات عن فعله علنًا.
ملفات إبستين لم تفضح رجلًا واحدًا، بل فضحت شبكة: ملوك، أمراء، سياسيون، مليارديرات، ونجوم نفوذ—أسماء اعتادت الظهور على شاشات العالم بوصفها حماة القيم، ورعاة الديمقراطية، وأوصياء حقوق الإنسان. نفس الأسماء التي تفرض العقوبات، وتصدر تقارير الإدانة، وتمنح نفسها الحق في تقييم “تحضر” شعوب العالم الثالث.
على تلك الجزيرة، لم يكن هناك قانون، ولا أخلاق، ولا إنسانية. كانت جزيرة تحوّل فيها البشر إلى فرائس، والضحايا إلى أرقام، والمال إلى صك غفران. هناك، سقطت كل الخطب الرنانة، وانكشفت الحقيقة العارية: النخبة العالمية لا تؤمن إلا بشيء واحد—الإفلات من العقاب.
المفارقة المقيتة أن هذه الجرائم لم تُقابل بمحاكمات تليق بحجمها، بل بصمت، وتسويات، وانتحار غامض أغلق الملفات بدل أن يفتحها. وكأن الرسالة واضحة: العدالة وُجدت للفقراء، أما الأقوياء فلهم جزرهم… وقوانينهم الخاصة.
وفي الوقت الذي تُهان فيه شعوب إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية باسم “حقوق الإنسان”، وتُستخدم هذه الشعارات كعصا سياسية للضغط والابتزاز، كان نفس العالم المتحضر يغضّ الطرف عن جرائم تُرتكب ضد أطفال وفتيات، فقط لأن الجناة يحملون ألقابًا لامعة وحسابات بنكية فلكية.
أي نفاق هذا؟ وأي عالم يجرؤ بعد ذلك على إعطاء دروس في الأخلاق؟
قضية إبستين ليست فضيحة جنسية فقط، بل فضيحة نظام عالمي، يرفع شعار القيم نهارًا، ويمارس أسوأ أشكال الانحطاط ليلًا. جزيرته لم تكن استثناءً، بل كانت نموذجًا مكثفًا لعالم تُدار فيه السلطة بلا مساءلة، وتُشترى فيه الحقيقة، وتُدفن فيه العدالة تحت ركام النفوذ.
ربما مات إبستين، لكن الجزيرة ما زالت قائمةليست في الكاريبي فقط، بل في كل مكان يُمنح فيه الأقوياء حق أن يكونوا فوق البشر… وفوق القانون.
