القواعد الأمريكية في الخليج: درع حماية أم قنبلة موقوتة فوق رؤوس المواطنين؟
الوكالة الكندية للأنباء
كيف أصبحت القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج مصدر تهديد للمواطن الخليجي؟
بعد القصف الإيراني الأخير… هل حان وقت مراجعة الوجود العسكري الأجنبي؟
شهدت منطقة الخليج العربي خلال العقود الماضية حضوراً عسكرياً أمريكياً كثيفاً، توزّع بين قواعد دائمة ومواقع دعم لوجستي واتفاقيات دفاعية مع عدد من الدول. وقد برّرت الحكومات الخليجية هذا الوجود بضرورات الردع وحماية الممرات المائية وضمان أمن الطاقة. غير أن التطورات الإقليمية الأخيرة، ولا سيما القصف الإيراني الذي استهدف مواقع عسكرية أمريكية في المنطقة، أعادت فتح النقاش حول كلفة هذا الوجود وانعكاساته المباشرة على أمن المواطن الخليجي.
من مظلة حماية إلى نقطة استهداف
تضم المنطقة قواعد بارزة مثل قاعدة العديد الجوية في قطر، وقاعدة الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، إضافة إلى منشآت عسكرية في الكويت والإمارات العربية المتحدة والسعودية.
هذه القواعد، التي صُممت في الأساس كأدوات ردع، باتت في ظل التصعيد الإقليمي تُنظر إليها من قبل خصوم واشنطن كأهداف مشروعة في أي مواجهة مفتوحة. ومع كل تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، يرتفع منسوب القلق الشعبي في دول الخليج من احتمال تحوّل أراضيهم إلى ساحات ردّ متبادل.
القصف الإيراني الأخير، الذي جاء في سياق تبادل الرسائل العسكرية، حمل رسالة واضحة: أن أي صراع مباشر مع واشنطن قد يمتد إلى مواقع انتشار قواتها في المنطقة. وهنا تكمن الإشكالية؛ فالمواطن الخليجي لا يملك دوراً في رسم الاستراتيجيات الدولية، لكنه قد يتحمّل تبعاتها الأمنية والاقتصادية.
الأبعاد الأمنية والاقتصادية
التهديد لا يقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. فاستهداف قواعد عسكرية قريبة من مدن كبرى أو منشآت حيوية قد يؤدي إلى تعطيل الملاحة الجوية، وارتفاع تكاليف التأمين، وهروب الاستثمارات. كما أن حالة القلق الدائم تضعف الشعور بالأمن، وهو عنصر أساسي في استقرار المجتمعات.
من ناحية أخرى، يجادل أنصار استمرار الوجود العسكري بأن هذه القواعد شكّلت لعقود عامل توازن في مواجهة تهديدات إقليمية، وأسهمت في حماية طرق التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زالت كلفة الحماية أقل من كلفة المخاطر؟
بين السيادة والتحالفات
إعادة تقييم الوجود العسكري الأجنبي لا تعني بالضرورة القطيعة مع الحلفاء، بل قد تأخذ أشكالاً متعددة، مثل تقليص الانتشار، أو إعادة صياغة الاتفاقيات الدفاعية، أو تعزيز القدرات الوطنية بما يقلل الاعتماد على القوات الأجنبية.
كما أن دول الخليج باتت تمتلك إمكانات عسكرية واقتصادية أكبر مما كانت عليه قبل ثلاثة عقود، ما يمنحها مساحة أوسع لإعادة صياغة أولوياتها الأمنية وفق مصالحها الوطنية المباشرة.
هل تراجع دول الخليج حساباتها؟
السؤال لم يعد نظرياً. فالتصعيد الإقليمي المتكرر يضع صناع القرار أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على التحالفات الاستراتيجية من جهة، وضمان ألا تتحول أراضيهم إلى خطوط مواجهة متقدمة من جهة أخرى.
ربما تكون المرحلة المقبلة مرحلة مراجعات هادئة، تُوازن بين الردع والدبلوماسية، وتبحث عن صيغ تقلل من احتمالات الاستهداف المباشر، مع تعزيز منظومات الدفاع الوطني والعمل الإقليمي المشترك.
في النهاية، يبقى أمن المواطن الخليجي هو المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة دفاعية. وبين ضرورات التحالفات وتعقيدات الجغرافيا السياسية، يظل السؤال مفتوحاً: كيف يمكن حماية الاستقرار دون استدعاء المخاطر؟
