واشنطن بوست تُسرّح 30% من موظفيها وتُنهي حضورها الصحفي في الشرق الأوسط

 

واشنطن 

الوكالة الكندية للأنباء 

تعيش صحيفة واشنطن بوست واحدة من أخطر لحظات تاريخها الممتد لأكثر من قرن، بعد أن شرعت إدارتها في تنفيذ عمليات تسريح واسعة النطاق طالت نحو 30% من قوتها العاملة، بما في ذلك أكثر من 300 صحفي من أصل 800 في غرفة الأخبار، في خطوة وصفت بأنها الأكبر والأكثر زلزالية في تاريخ الصحيفة.

وقوبلت القرارات بموجة غضب غير مسبوقة داخل المؤسسة وخارجها، حيث وصف رئيس التحرير السابق للصحيفة، مارتن بارون، ما جرى بأنه «أحد أحلك الأيام في تاريخ واحدة من أعظم المؤسسات الإخبارية في العالم»، محذرًا من أن هذه الخطوة ستؤدي إلى تراجع الطموحات التحريرية، وتقليص الصحافة الميدانية المعتمدة على الحقائق، في وقت «يحتاج فيه الجمهور إلى هذه التغطية أكثر من أي وقت مضى».

إنهاء التغطية الخارجية وإلغاء فريق الشرق الأوسط

وشملت التسريحات تفكيكًا شبه كامل لقسم الشؤون الخارجية، بما في ذلك إلغاء فريق الشرق الأوسط بالكامل، وتسريح جميع مراسلي الصحيفة في المنطقة، إلى جانب مراسلين بارزين في آسيا وأوروبا وأوكرانيا.

ومن بين الأسماء التي طالتها القرارات: رئيسة مكتب القاهرة كلير باركر، ورئيس مكتب القدس جيري شيه، إضافة إلى مراسلين ومحررين شاركوا في تحقيقات استقصائية وتقارير بصرية مرشحة لجائزة بوليتزر، من بينها تغطية الحرب على غزة والتحقيق الجنائي المرئي في مقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب.

كما طالت التسريحات كاتب عمود الشؤون الخارجية إيشان ثارور، ومحررة شؤون آسيا والمحيط الهادئ ورئيسة مكتب بكين السابقة آنا فيفيلد، ورئيسة مكتب أوكرانيا سيوبان أوغرادي.

إغلاق أقسام كاملة داخل الصحيفة

ولم تقتصر التخفيضات على الشؤون الخارجية، إذ أغلقت الصحيفة قسم الرياضة، وقسم الكتب، وأوقفت البودكاست اليومي، واستغنت عن جميع المصورين الصحفيين، إلى جانب تقليصات حادة في أقسام الأخبار المحلية والرسوم البيانية، ما أدى فعليًا إلى إلغاء بعض هذه الأقسام.

وفي رسالة داخلية للموظفين، قال رئيس التحرير التنفيذي مات موراي إن هذه الخطوات تأتي في إطار «إعادة تموضع استراتيجي» للصحيفة، معتبرًا أن بعض مخرجاتها «لم تواكب التحولات»، وأن الصحيفة باتت تُكتب «من منظور واحد، لشريحة واحدة من الجمهور».

احتجاجات وغضب داخل المؤسسة

وأمام مقر الصحيفة في واشنطن، نظم مئات الموظفين وقفة احتجاجية رفعوا خلالها لافتات تتهم مالك الصحيفة، الملياردير جيف بيزوس، بسوء الإدارة والتدخل في الخط التحريري، ولا سيما في ظل علاقته الوثيقة بالرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية.

وحملت إحدى اللافتات عبارة لافتة:

«الديمقراطية تموت في الظلام… وأنت يا جيف بيزوس قد أطفأت الأنوار»، في إشارة مباشرة إلى الشعار التاريخي للصحيفة.

خلفيات سياسية وأزمة مالية

وتأتي هذه التطورات في سياق ضغوط متزايدة تتعرض لها وسائل الإعلام الأمريكية، مع تصعيد الرئيس ترامب هجماته على الصحافة واتهامها بنشر «أخبار زائفة»، إلى جانب رفع دعاوى قضائية ضد مؤسسات إعلامية كبرى.

كما تعاني واشنطن بوست من أزمة مالية حادة، إذ خسرت نحو 100 مليون دولار في 2024، وغادرها أكثر من 250 ألف مشترك رقمي بعد قرار بيزوس في خريف 2024 منع الصحيفة من تأييد المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، في خطوة وُصفت آنذاك بأنها مساس باستقلالية التحرير.

مستقبل غامض

ويرى صحفيون ومراقبون أن التأثير الحقيقي لهذه التسريحات لن يظهر فورًا، لكنهم يحذرون من أن فقدان هذا العدد من المراسلين والمحررين سيُضعف قدرة الصحيفة على إنتاج تحقيقات معمقة، ومواكبة الأزمات العالمية، وكشف قضايا الفساد.

وفي بيان لها، أكدت نقابة واشنطن بوست أن «تفريغ غرفة الأخبار من محتواها لا يمكن أن يمر دون عواقب على مصداقية الصحيفة وانتشارها ومستقبلها»، في وقت تتسارع فيه الأسئلة حول ما إذا كانت واحدة من أعمدة الصحافة الأمريكية قادرة على النجاة من هذا التحول العاصف.