بداية النهاية أم إعادة تموضع؟ قراءة شاملة فى الوضع الحالى

 


صوفيا.د.محمد كمال علام 

أولًا: هل نحن فعلًا أمام تراجع أمريكي؟

لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة تمر بمرحلة إعادة تعريف دورها العالمي، وليس انهيارًا مباشرًا فشل تدخلات عسكرية طويلة (العراق – أفغانستان) صعود قوى منافسة مثل الصين وروسيا انقسام داخلي حاد سياسيًا ومجتمعيًا تراجع القدرة على فرض الإرادة بشكل مطلق لكن في المقابل:ما زالت تملك:أقوى اقتصاد عالميأقوى جيش نفوذًا هائلًا عبر الدولار والمؤسسات الدولية النتيجة: ليست “نهاية” بقدر ما هي انتقال من الهيمنة المطلقة إلى التعددية القطبية

ثانيًا: وضع إسرائيل في هذا التحول

إسرائيل تعتمد بشكل كبير على الدعم الأمريكي، لذلك أي تغير في واشنطن ينعكس عليها مباشرة نقاط القوة:تفوق عسكري وتكنولوجي دعم غربي واسع اختراقات سياسية في المنطقة (اتفاقيات تطبيع)نقاط الضعف المتزايدة : تآكل الصورة الدولية بسبب الحروب تصاعد المقاومة غير التقليدية (حروب العصابات) انقسام داخلي سياسي واجتماعي-بيئة إقليمية غير مستقرة إسرائيل ليست في “سقوط”، لكنها تواجه بيئة أكثر عدائية وتعقيدًا من أي وقت مضى

ثالثًا: هل فشل “مشروع الفتنة السنية–الشيعية”؟ هذا الملف معقد جدًا ما حدث فعليًا:صراعات طائفية حدثت بالفعل (العراق – سوريا – اليمن)

      استُخدمت الانقسامات الدينية سياسيًا لكن:هذه الصراعات لها جذور محلية عميقة (سياسية + تاريخية)ليست فقط نتيجة تدخل خارجي ما تغير الآن:وعي شعبي أكبر بأن:الصراع الحقيقي سياسي وجيوسياسي وليس دينيًا فقط 

      رابعًا: دور دونالد ترامب وتأثير سياساته فترة ترامب كانت نقطة تحول واضحة سياساته:انسحاب من اتفاقيات دولية ضغط اقتصادي (عقوبات)  دعم غير مسبوق لإسرائيل نهج “أمريكا أولًا”النتائج:توتر مع الحلفاء الأوروبيين فقدان جزء من الثقة الدولية زيادة الاستقطاب العالمي لكن:نجح في:فرض واقع جديد في الشرق الأوسط تسريع بعض التحالفات الإقليمية

ترامب لم يُضعف أمريكا فقط، بل غيّر طريقة إدارتها للعالمليس “فشل كامل”، لكن الوعي الشعبي بدأ يتجاوز هذا التقسيم

خامسًا: هل العالم “تخلى” عن أمريكا؟ الصورة أدق من ذلك ما يحدث فعليًا: ما يحدث فعليًا: الحلفاء لم يتركوا أمريكا لكنهم: أصبحوا أكثر استقلالية يوازنون بين واشنطن وبكين وموسكو

مثال:أوروبا تعتمد على أمريكا أمنيًا، لكنها تختلف معها سياسيًا دول الشرق الأوسط تنوع 

تحالفاتها نحن أمام عالم:لا يرفض أمريكا… لكنه لم يعد يعتمد عليها بالكامل

سادسًا: هل هناك “مشروع لإشعال المنطقة”؟ بدل النظر له كمؤامرة واحدة، الأفضل فهمه كالتالي:الحقيقة الأقرب القوى الكبرى:تستغل الأزمات تدير الصراعات بما يخدم مصالحها المنطقة تعاني من هشاشة داخلية تجعلها قابلة للاشتعال

 المعادلة:تدخل خارجي + ضعف داخلي = انفجار إقليمي

سابعًا: إلى أين يتجه العالم؟الاتجاهات الكبرى:1-نهاية القطب الواحد 2-صعود آسيا (خصوصًا الصين)3-زيادة الحروب غير المباشرة4-تراجع الحروب التقليدية الكبرى

       

 الخلاصة الكبرى ما نراه اليوم ليس “نهاية أمريكا وإسرائيل” بالمعنى الحرفي، بل: مرحلة انتقال تاريخي… تتراجع فيها الهيمنة، وتتصاعد فيها الفوضى أمريكا: من قائد مطلق → لاعب رئيسي -إسرائيل: من تفوق مريح → تحديات مستمرة -الشرق الأوسط: من ساحة نفوذ → ساحة صراع مفتوح

 نهاية الهيمنة — كيف يتغير شكل العالم الآن لم يكن سقوط الإمبراطوريات يومًا حدثًا مفاجئًا بل هو عملية بطيئة، تبدأ من الداخل… قبل أن تظهر على سطح العالم كزلزال جيوسياسي يهز 

كل شيء اليوم، ونحن نراقب المشهد الدولي، يبدو أن العالم يقف على أعتاب تحول تاريخي — ليس مجرد صراع بين دول، بل إعادة تشكيل كاملة لموازين القوة

  وهم السيطرة المطلقة

منذ نهاية الحرب الباردة، تربعت الولايات المتحدة على عرش العالم بلا منازع

سقط الاتحاد السوفيتي، وبدأ ما سُمّي بـ"القرن الأمريكي"لكن المشكلة في الهيمنة المطلقة… أنها تخلق وهمًا خطيرًا: أن القوة دائمة، وأن السيطرة لا تُكسر في تلك اللحظة، بدأت البذور الأولى للتراجع توسع عسكري في كل الاتجاهات تدخل في مناطق معقدة ثقافيًا وتاريخيًا  افتراض أن 

التفوق العسكري يكفي لصناعة الاستقرار  لكن الواقع كان مختلفًا  الشرق الأوسط: المقبرة التي لا تُرى لطالما كان الشرق الأوسط ساحة اختبار للقوى الكبرى  من الإمبراطورية البريطانية… إلى القوى الحديثة وفي هذا المسرح المعقد، دخلت أمريكا بثقة مطلقة لكنها خرجت بحقائق قاسية:الحروب لا تنتهي بسرعة الأنظمة لا تُبنى من الخارج الشعوب لا تُدار بالقوة فقط هنا، لم يكن الفشل عسكريًا فقط… بل استراتيجيًا عميقًا

لعبة الانقسامات: بين الحقيقة والمبالغة

كثيرون يرون أن القوى الكبرى — وعلى رأسها الولايات المتحدة — سعت إلى تأجيج الانقسامات داخل المنطقة، خصوصًا بين السنة والشيعة الحقيقة أكثر تعقيدًا نعم، تم استغلال هذه الانقسامات لكنها لم تُخلق من العدم جذور تاريخية عميقة صراعات على السلطة

      أنظمة سياسية هشة ما حدث هو أن هذه الانقسامات تحولت إلى أدوات في صراع أكبر، وليس العكس ومع مرور الوقت، بدأ وعي جديد يتشكل:أن الصراع ليس دينيًا بقدر ما هو صراع مصالح ونفوذ

 إسرائيل في قلب العاصفة

في قلب هذه التحولات تقف إسرائيل، كحليف استراتيجي أساسي للغرب لسنوات، تمتعت إسرائيل بتفوق واضح: عسكري -تكنولوجي-استخباراتي لكن البيئة من حولها تغيّرت صعود قوى غير تقليدية-تآكل الصورة الدولية-انقسامات داخلية متزايدة لم تعد المعادلة كما كانت:تفوق مطلق = استقرار دائم بل أصبحت:تفوق عسكري + بيئة معادية = استنزاف مستمر

 لحظة ترامب: تسريع التحول

عندما وصل دونالد ترامب إلى السلطة، لم يكن مجرد رئيس تقليدي بل كان بمثابة "مُسرّع" لعمليات كانت تحدث بالفعل رفع شعار "أمريكا أولًا"، لكنه في الواقع: أعاد تعريف التحالفات

      صعّد التوترات كشف حدود النفوذ الأمريكي ولأول مرة منذ عقود، بدأ الحلفاء يتساءلون: هل يمكن الاعتماد على واشنطن كما في السابق؟

 عالم بلا مركز

العالم اليوم لا يسير نحو فوضى عشوائية… بل نحو تعددية قطبية -الصين تصعد اقتصاديًا -روسيا تعود عسكريًا-قوى إقليمية تفرض نفسها - أما أمريكا، فلا تزال قوية… لكنها لم تعد وحدها في القمة - هذا التحول لا يعني نهاية القوة، بل نهاية الاحتكار

بين السقوط وإعادة التشكيل

هل نحن أمام سقوط أمريكا وإسرائيل؟  الإجابة الأبسط: لا لكن الإجابة الأدق: نحن أمام إعادة تشكيل عميقة  القوة لم تختفِ… لكنها توزعت  السيطرة لم تنتهِ… لكنها تعقدت

      بداية عصر جديد     الصراعات لم تتوقف… لكنها تغيرت التاريخ لا يكرر نفسه… لكنه يُشبه نفسه كثيرًا كل إمبراطورية ظنت أنها وصلت إلى القمة النهائية، كانت في الحقيقة قد بدأت رحلتها نحو التحول اليوم، العالم لا يشهد نهاية قوة واحدة فقط،  بل يشهد ولادة نظام عالمي جديد نظام:لا يهيمن فيه طرف واحد ولا تختفي فيه الصراعات

      لكنه يُدار بقواعد مختلفة والسؤال الحقيقي ليس:من سيسقط؟ بل:من سيتكيف… ومن سيتأخر عن فهم اللعبة الجديدة؟


 الفرق بين الشيعة والسنة وسبب المشكلات بينهم والدور اليهودي في بث التفرقة بينهم من قديم الزمان الي وقتنا هذا 

فموضوع السنة والشيعة معقّد، وتداخله مع “أدوار خارجية” غالبًا يُبالغ فيه أو يُقدَّم بشكل تبسيطي

🕌 أولًا: ما هو الفرق بين السنة والشيعة؟

الانقسام بين السُّنّة والشيعة بدأ بعد وفاة النبي محمد ﷺ، وكان في الأصل خلافًا سياسيًا على القيادة، ثم تطور مع الزمن إلى اختلافات دينية

أصل الخلاف بعد وفاة النبي:السُّنّة رأوا أن الخليفة يُختار بالشورى → فاختير أبو بكر الصديق الشيعة رأوا أن القيادة يجب أن تكون في نسل النبي → عبر علي بن أبي طالب

مع مرور الوقت، أصبح هناك اختلاف في: إذن البداية:خلاف سياسي على من يحكم… وليس صراعًا دينيًا في جوهره تطور الخلاف  عند السُّنّة:الاعتماد على السنة النبوية وإجماع الصحابة  عدم وجود قيادة دينية معصومة

عند الشيعة: الإيمان بإمامة أهل البيت

      وجود مفهوم “الإمام المعصوم” في بعض المذاهب

لحظة التحول الكبرى

أحد أهم الأحداث التي عمّقت الانقسام هو: معركة كربلاء حيث قُتل الحسين بن علي هذه الحادثة:أصبحت رمزًا للظلم عند الشيعة ومفصلًا تاريخيًا غيّر طبيعة العلاقة بين الطرفين

 ثانيًا: لماذا حدثت الصراعات بينهم؟ ليس بسبب الدين فقط، بل بسبب عدة عوامل:1- الصراع على السلطة  كثير من الدول استخدمت الانتماء المذهبي كوسيلة للحكم

      مثال: صراعات بين دول سنية وشيعية عبر التاريخ

      التوظيف السياسي للدين الحكام في أحيان كثيرة:يستخدمون الدين لتعبئة الناس يضخمون الاختلافات

الجهل المتبادل

      غياب الفهم الحقيقي بين الطرفين انتشار صور نمطية سلبية

 التدخلات الخارجية

      القوى الكبرى تستفيد من الانقسامات لكنها لا تخلقها من الصفر

🧠 ثالثًا: هل هناك “دور يهودي” في إشعال الفتنة؟

هذا من أكثر المواضيع حساسية، ويجب التعامل معه بدقة  ما يُقال في بعض الروايات:أن شخصية مثل عبد الله بن سبأ كان لها دور في إثارة الفتنة

      وأن هناك “دورًا يهوديًا تاريخيًا” في تقسيم المسلمين

الصراع السني–الشيعي له أسباب داخلية حقيقية وعميقة 

ولا يمكن تفسيره فقط بعامل خارجي

 رابعًا: الدور الخارجي الحديث

بدل التركيز على “دور ديني محدد”، الأدق هو فهم: كيف تتعامل القوى الكبرى مع الانقسام؟ تستغله سياسيًا تدعم أطرافًا ضد أخرى تستخدمه لإعادة تشكيل النفوذ مثال:الولايات    المتحدة    - إيران  - السعودية كلها تدخلت بشكل أو بآخر في صراعات ذات طابع مذهبي

 لكن:هذه القوى لم تخلق الخلاف… بل استخدمته

الحقيقة الأساسية:

      الخلاف بين السنة والشيعة: بدأ سياسيًا  -تطور دينيًا واستُخدم سياسيًا عبر التاريخ

بخصوص “الدور اليهودي”:

صراع داخلي + توظيف سياسي + استغلال خارجي = استمرار الأزمة 

أخطر ما في هذا الصراع ليس الاختلاف نفسه…بل تحويله إلى أداة دائمة للصراع لأن:أي انقسام داخلي  إذا لم يُفهم ويُعالج


      سيتحول دائمًا إلى نقطة ضعف تُستغل من الخارج

 قانون سقوط الإمبراطوريات — لماذا تبدأ النهاية من الأطراف؟

لم تسقط إمبراطورية من قلبها القوي أولًا… بل دائمًا من أطرافها البعيدة، حيث يضعف التحكم، ويزداد الاحتكاك، وتتراكم الأخطاء بصمت هناك قانون غير مكتوب في التاريخ:حين تفقد 

الأطراف: حيث تبدأ الحقيقة الإمبراطورية السيطرة على هوامشها… تكون قد بدأت فعليًا في فقدان  مركزها  في أوج قوتها، تبدو الإمبراطورية متماسكة من الداخل   العاصمة مستقرة، الاقتصاد يعمل، والنخبة السياسية تعيش في وهم السيطرة لكن بعيدًا عن المركز…

      حدود مشتعلة شعوب غير راضية جيوش مرهقة موارد تُستنزف بصمت هذه ليست تفاصيل هامشية… بل هي بداية التآكل الحقيقي

🏛️ الدرس الأول: الإمبراطورية الرومانية

في زمن الإمبراطورية الرومانية، لم يكن السقوط مفاجئًا بدأ من: حدود مترامية يصعب الدفاع عنها هجمات مستمرة من “الأطراف”إنهاك الجيش في جبهات متعددة ومع الوقت: أصبحت الأطراف عبئًا بدل أن تكون مصدر قوة ثم بدأت المدن الكبرى نفسها تشعر بالضعف السقوط لم يبدأ في روما…بل في الأماكن التي لم يعد أحد يهتم بها

الدرس الثاني: الإمبراطورية البريطانية

أعظم إمبراطورية بحرية في التاريخ، الإمبراطورية البريطانية، لم تنهَر فجأة بل بدأت النهاية من:مستعمرات بعيدة تطالب بالاستقلال -حروب مكلفة -صعوبة إدارة عالم واسع

الهند، الشرق الأوسط، أفريقيا…كلها لم تسقط في يوم واحد  لكنها تحولت تدريجيًا من “مصادر قوة” إلى نقاط نزيف مستمروعندما أصبحت كلفة السيطرة أعلى من فائدتها… بدأ الانسحاب

 الدرس الثالث: الاتحاد السوفيتي

في الاتحاد السوفيتي، لم يكن الانهيار نتيجة ضربة واحدة بل نتيجة:ضغط على الأطراف (أوروبا الشرقية) سباق تسلح مرهق اقتصاد لا يتحمل التوسع عندما بدأت الدول التابعة في التمرد…لم يستطع المركز السيطرة هنا ظهر القانون بوضوح:

إذا فقدت الإمبراطورية أطرافها… فإن المركز يسقط بعدها مباشرة

 إسقاط على الحاضر: ماذا يحدث اليوم؟

لننظر إلى الولايات المتحدة اليوم

هل تواجه خطرًا داخليًا مباشرًا؟ ليس بالضرورة

لكن ماذا عن الأطراف؟ الشرق الأوسط: صراعات لا تنتهي شرق أوروبا: توتر مع روسيا آسيا: صعود الصين كل هذه المناطق: تحتاج تدخلًا -تستهلك موارد -وتخلق ضغوطًا مستمرة

 النمط يتكرر… لكن بشكل أكثر تعقيدًا

 الأطراف الخاصة: حالة إسرائيل

بالنسبة إلى إسرائيل، فإن “الأطراف” ليست جغرافية فقط… بل ديموغرافية وسياسية

      محيط إقليمي معقد - صراع طويل الأمد -تحديات داخلية النتيجة: حالة استنزاف مستمرضغط دائم على الدولة هنا يظهر نوع جديد من الأطراف:أطراف ليست بعيدة… بل محيطة من كل اتجاه

متى تتحول الأطراف إلى خطر وجودي؟

وتظهر مقاومة مستمرةهناك 3 مراحل:السيطرة -الاستنزاف تبدأ التكاليف بالارتفاع -الانفلات تفقد السيطرة وتبدأ الأطراف في الانفصال أو التمرد الخطر الحقيقي ليس في التمرد…بل في عدم القدرة على إيقافه

 لماذا تتكرر هذه القاعدة دائمًا؟

لأن:التوسع أسرع من القدرة على الإدارة-القوة العسكرية لا تكفي للحفاظ على الاستقرار الشعوب لا تقبل السيطرة إلى الأبد

 المستقبل: هل يمكن كسر هذا القانون؟

نظريًا: نعم

عمليًا: نادر جدًا لكي تنجح أي قوة في ذلك، يجب أن:تقلل من التوسع تدير النفوذ بذكاء لا بالقوة فقط تتجنب الاستنزاف طويل الأمد لكن التاريخ يقول: معظم الإمبراطوريات لا تتعلم إلا بعد فوات الأوان 

الأطراف ليست مجرد حدود… بل هي مرآة تكشف حقيقة الإمبراطورية إذا كانت مستقرة  فالإمبراطورية قويةإذا كانت مشتعلة → فالسقوط قد بدأ

 السؤال القادم

إذا كانت الإمبراطوريات تسقط من الأطراف…

فما الذي يُسقطها من الداخل؟

فصل: الانهيار من الداخل — كيف تدمر النخب إمبراطورياتها بأيديها؟

ليست الجيوش وحدها من تُسقط الإمبراطوريات… ولا الأعداء على الحدود فقط في كثير من الأحيان، يبدأ السقوط الحقيقي من الداخل، حين تتحول النخب من حُماة للدولة… إلى عبء عليها

وهم الاستقرار

في المراحل المتقدمة من عمر أي قوة كبرى، يبدو كل شيء مستقرًا:اقتصاد ضخم مؤسسات قوية نفوذ عالمي واسع لكن خلف هذا المشهد…تبدأ شقوق صغيرة في الظهور: صراعات داخلية على السلطة فساد متزايد قرارات قصيرة النظر الخطر هنا:أن النخبة لا ترى الأزمة… لأنها جزء منها

🏛️ الدرس الأول: حين فقدت روما نفسها

في الإمبراطورية الرومانية، لم يكن العدو الخارجي هو السبب الوحيد للسقوط بل:صراع مستمر بين القادة فساد إداري - تراجع الانضباط داخل الجيش الأباطرة لم يعودوا يحكمون من أجل الدولة… بل من أجل البقاء في السلطة النتيجة:الداخل أصبح أضعف من الخارج

 الدرس الثاني: الإمبراطورية التي تعبت من نفسها

في الإمبراطورية البريطانية، لم يكن الانهيار عسكريًا

بل كان:إرهاق اقتصادي انقسام سياسي داخلي فقدان الإرادة للاستمرار في السيطرة

النخب البريطانية أدركت — متأخرة — أن الإمبراطورية أصبحت عبئًا

 وهنا يحدث شيء خطير:عندما تفقد النخبة الإيمان بالمشروع… يبدأ التفكك

 الدرس الثالث: الانفصال عن الواقع

في الاتحاد السوفيتي، كانت المشكلة أعمق النخبة الحاكمة:عاشت في عالم مغلق لم تدرك حجم الأزمة الاقتصادية فقدت الاتصال بالشعب

وعندما جاءت لحظة الحقيقة…كان النظام هشًا أكثر مما يبدو

الدرس:أخطر ما يمكن أن يحدث… هو أن تعيش الدولة في وهم

 النموذج الحديث: ماذا عن اليوم؟

إذا نظرنا إلى الولايات المتحدة، سنجد مؤشرات لا يمكن تجاهلها: انقسام سياسي حاد استقطاب غير مسبوق صراع داخلي بين التيارات تأثير المال على القرار

      نفوذ الشركات الكبرى تضخم دور اللوبيات

 فقدان الثقة

      بين الشعب والمؤسسات وبين الحلفاء وواشنطن هذه ليست نهاية…لكنها علامات تحذير كلاسيكية

الداخل المضطرب

حتى إسرائيل، التي تبدو قوية خارجيًا، تواجه تحديات داخلية:انقسامات سياسية عميقة

      صراع بين التيارات جدل حول هوية الدولة

 المشكلة هنا:عندما يصبح الداخل ساحة صراع… يضعف الخارج تلقائيًا

كيف تُدمّر النخب الدولة؟

هناك 4 مراحل متكررة:الاحتكار النخبة تحتكر القرار -الانفصال تبتعد عن واقع الشعب – الفساد تُستخدم السلطة للمصالح الخاصة

 الانهيار تفقد الدولة تماسكها

 العلاقة بين الداخل والخارج

الخطأ الشائع هو فصل الاثنين لكن الحقيقة: الضعف الداخلي → يشجع الأعداء

      الفشل الخارجي → يزيد الضغط الداخلي

إنها دائرة مغلقة: كل فشل يُغذي الآخر

 هل يمكن تجنب هذا المصير؟

نادرًا… لكنه ممكن

إذا:تم إصلاح النظام من الداخل استعادة الثقة بين الشعب والدولة

      تقليل الفجوة بين النخبة والمجتمع

لكن المشكلة: الإصلاح غالبًا يأتي متأخرًا

 الإمبراطوريات لا تُقتل… بل تنتحر

التاريخ يكرر نفس الرسالة:روما لم تُهزم فقط… بل ضعفت بريطانيا لم تُسقط… بل انسحبت الاتحاد السوفيتي لم يُدمّر… بل انهار من الداخل

واليوم…العالم يراقب قوى كبرى وهي تسير على نفس الحافة