“حارة اليهود بالقاهرة.. حيّ تاريخي متعدد الطوائف يروي فصولًا من التعايش والرحيل”
الوكالة الكندية للأنباء
القاهرة.فتحى الضبع
تقع “حارة اليهود” في قلب ، بالقرب من شارع الموسكي، وتُعد واحدة من أبرز الأحياء التاريخية التي تعكس تنوع النسيج الاجتماعي والديني في مصر خلال القرنين الماضيين، حيث لم تكن مجرد زقاق صغير كما يوحي اسمها، بل حيًّا متكاملًا يضم نحو 360 حارة وزقاقًا.
وعلى الرغم من ارتباط اسم الحي بالجالية اليهودية، فإن “حارة اليهود” شهدت عبر تاريخها تعايشًا ملحوظًا بين المسلمين والمسيحيين واليهود، الذين عاشوا جنبًا إلى جنب داخل هذا النسيج العمراني والاجتماعي الفريد. وكان الحي مقسمًا إداريًا إلى شياختين، واحدة لليهود الربانيين وأخرى لليهود القرائين، في انعكاس واضح للتنوع داخل الطائفة نفسها.
ويعود تاريخ نشأة الحي إلى منتصف القرن التاسع عشر، بالتزامن مع إنشاء منطقة الموسكي عام 1848، ويتبع إداريًا اليوم حي الجمالية. وقد اشتهر الحي بوجود عدد كبير من المعابد اليهودية التي بلغت نحو 13 معبدًا، لم يتبق منها سوى ثلاثة، أبرزها معبد ، المرتبط باسم الفيلسوف والطبيب الشهير ، الذي عاش في القرن الثاني عشر وكان مقربًا من السلطان .
كما تضم الحارة معبدي “بار يوحاي” و“أبو حاييم كابوسي”، اللذين يمثلان ما تبقى من الإرث الديني اليهودي في المنطقة، في حين لا تزال بعض المنازل تحتفظ برموز دينية مثل نجمة داود، في دلالة على تاريخ الحي، رغم اختفاء معظم سكانه اليهود عقب أحداث و، التي دفعت أعدادًا كبيرة منهم إلى الهجرة خارج البلاد.
وشهدت “حارة اليهود” ميلاد عدد من الشخصيات البارزة في مجالات السياسة والفن والثقافة، من بينهم رائد المسرح المصري، والفنانة ، والمخرج ، إلى جانب أسماء أخرى تركت بصمات واضحة في الحياة العامة المصرية.
ويُرجع مؤرخون تسمية الحي إلى ميل الجالية اليهودية للتجمع في مناطق خاصة تسهّل عليهم ممارسة شعائرهم الدينية وعاداتهم الاجتماعية، في ظل متطلبات دينية تتعلق بالطعام والعبادة الجماعية.
ورغم التغيرات التي طرأت على الحي بمرور الزمن، لا تزال “حارة اليهود” تحتفظ بملامحها التاريخية، لتبقى شاهدًا حيًا على مرحلة مهمة من تاريخ التعددية والتعايش في مصر.


