… الوجه المظلم للنصر: اعتداءات جماعية طالت نساء ألمانيا بعد نهاية الحرب
الوكالة الكندية للأنباء
برلين
مع إعلان نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا عام 1945، اعتقد كثيرون أن سنوات الرعب قد انتهت بسقوط ألمانيا النازية. لكن بالنسبة لملايين النساء الألمانيات، تشير شهادات تاريخية ودراسات بحثية إلى أن مرحلة أخرى من المعاناة بدأت مع دخول جيوش الحلفاء إلى الأراضي الألمانية بعد انهيار الدولة.
في تلك الأيام كانت المدن الألمانية شبه مدمرة نتيجة القصف والحصار، بينما كان معظم الرجال قد قُتلوا في الجبهات أو وقعوا في الأسر. وبقيت في المدن أعداد كبيرة من النساء والأطفال وكبار السن، في ظل حالة من الفوضى وانهيار مؤسسات الدولة.
تقديرات تاريخية صادمة
تشير تقديرات عدد من المؤرخين إلى أن ما يقرب من مليوني امرأة ألمانية تعرضن لاعتداءات جنسية خلال الأشهر والسنوات الأولى بعد نهاية الحرب. وتؤكد الدراسات أن تلك الحوادث لم تكن فردية أو معزولة، بل حدثت في مناطق واسعة من ألمانيا والنمسا خلال فترة الاحتلال العسكري.
وبحسب تقديرات بحثية نُشرت في كتاب “When the Soldiers Came” للمؤرخة الألمانية Miriam Gebhardt، فقد سجلت دراسات تاريخية أعداداً كبيرة من الاعتداءات ارتكبها جنود من جيوش مختلفة شاركت في احتلال ألمانيا بعد الحرب.
وتشير هذه التقديرات إلى وقوع أكثر من مليون حالة اعتداء نسبت إلى جنود من الجيش السوفيتي، إضافة إلى عشرات الآلاف من الحالات التي نُسبت إلى جنود من القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية.
تداعيات اجتماعية وصحية
تقول تقارير طبية من تلك الفترة إن المستشفيات في المدن الألمانية استقبلت أعداداً كبيرة من النساء اللواتي تعرضن لاعتداءات، كما شهدت زيادة كبيرة في طلبات الإجهاض خلال الأشهر الأولى بعد الحرب.
ووفق سجلات حكومية ألمانية، وُلد بعد الحرب عدد كبير من الأطفال الذين لم يكن الأب معروفاً في وثائقهم الرسمية. وتشير بعض التقديرات إلى ظهور مئات الآلاف من الأطفال الذين وُلدوا نتيجة تلك الظروف، ما خلق تحديات اجتماعية كبيرة في ألمانيا ما بعد الحرب.
وقائع في مدن مختلفة
لم تقتصر الحوادث على ألمانيا وحدها. ففي مدن أوروبية أخرى دخلتها القوات المنتصرة بعد الحرب، سُجلت أيضاً حوادث مشابهة، منها تقارير عن عشرات الآلاف من الاعتداءات في مدينة Naples خلال فترة التحرير.
وفي Vienna، تشير تقديرات تاريخية إلى تعرض أكثر من 100 ألف امرأة للاعتداء خلال فترة الاحتلال في عام 1945.
أما في العاصمة الألمانية Berlin، التي كان يسكنها نحو 2.7 مليون شخص في نهاية الحرب، فقد انتشرت حالة من الخوف بين النساء مع اقتراب القوات المتحاربة من المدينة، خصوصاً بعد انتشار أخبار عن حوادث وقعت في مدن أخرى سبق احتلالها.
شهادات من تلك المرحلة
تظهر شهادات الناجين والوثائق التاريخية أن كثيراً من النساء حاولن البحث عن وسائل لحماية أنفسهن، أو الهروب من مناطق القتال، في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة منهارة تقريباً.
كما تشير بعض الروايات إلى أن الخوف من الاعتداءات دفع نساء كثيرات إلى طلب استشارات طبية حول وسائل الانتحار أو الهروب، وهو ما يعكس حجم الرعب الذي عاشه المدنيون في تلك الفترة.
صفحة مؤلمة في تاريخ الحرب
يرى عدد من الباحثين أن هذه الأحداث تمثل جانباً مظلماً من تاريخ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأن الحديث عنها ظل محدوداً لعقود طويلة بسبب حساسية الملف وتعقيداته السياسية والتاريخية.
ومع مرور الزمن، بدأت دراسات تاريخية ووثائق جديدة في تسليط الضوء على معاناة المدنيين خلال تلك المرحلة، في محاولة لفهم أوسع لما حدث في أوروبا مع نهاية واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ.
