بعد أكثر من قرن على وفاتها.. جسد القديسة برناديت سوبيرو في فرنسا ما زال يثير جدلًا بين العلم والإيمان

الوكالة الكندية للأنباء 

نيفِير 

ما يزال جسد القديسة الكاثوليكية برناديت سوبيرو، المعروفة برائية لورد، يثير اهتمامًا واسعًا بعد أكثر من 140 عامًا على وفاتها، إذ يُعد من أشهر الحالات التي يُشار إليها في الأدبيات الدينية باسم “الأجساد غير المتحللة”، وهي ظاهرة يرى فيها المؤمنون علامة روحية، بينما يحاول العلماء تفسيرها بعوامل طبيعية.

توفيت برناديت سوبيرو في 16 أبريل/نيسان عام 1879 في دير القديس جيلدار بمدينة نيفير وسط فرنسا، عن عمر 35 عامًا، بعد سنوات طويلة من المعاناة مع أمراض متعددة، من بينها الربو المزمن والسل العظمي الذي أصاب ركبتها. وكانت برناديت معروفة بقصر قامتها وضعف بنيتها الجسدية، إذ لم يتجاوز طولها نحو 142 سنتيمترًا.

واكتسبت برناديت شهرتها العالمية بعد أن أعلنت، وهي في الرابعة عشرة من عمرها عام 1858، أنها شاهدت سلسلة من الظهورات للسيدة العذراء مريم في مغارة ماسابيل بمدينة لورد جنوب فرنسا. وقد تحولت لورد لاحقًا إلى أحد أشهر مواقع الحج المسيحي في العالم، حيث يقصدها ملايين الزوار سنويًا.

وبعد وفاتها بثلاثة عقود، قررت السلطات الكنسية إجراء أول استخراج لجثمانها عام 1909 في إطار التحقيقات المرتبطة بعملية تطويبها. وتم فتح التابوت بحضور أطباء وممثلين عن السلطات المدنية والدينية. ووفقًا للتقارير الطبية التي وثقت العملية آنذاك، لم تظهر على الجثمان علامات التحلل المعتادة رغم مرور ثلاثين عامًا على دفنه.

وأفادت التقارير بأن الملابس التي كانت ترتديها قد تضررت بفعل الرطوبة، في حين بقي الجسد محفوظًا إلى حد كبير. كما أشارت إلى أن الجلد كان لا يزال متماسكًا وأن الأعضاء الداخلية لم تُظهر مظاهر التعفن المتوقعة في مثل هذه الحالات.

وفي عام 1919، أُجري استخراج ثانٍ للجثمان بعد مرور أربعين عامًا على الوفاة. وكتب الأطباء تقارير منفصلة أكدوا فيها مرة أخرى غياب التحلل الكامل للجسد، مع ملاحظة بعض التغيرات الطبيعية مثل اسمرار الجلد وظهور التجاعيد.

أما الاستخراج الثالث فتم عام 1925 قبيل إعلان تطويبها رسميًا من قبل الكنيسة الكاثوليكية. وجددت التقارير الطبية الإشارة إلى حالة الحفظ غير المعتادة للجثمان. وبعد هذه العملية تقرر إعداد الجسد للعرض العام، حيث وُضعت طبقة رقيقة من الشمع على الوجه واليدين لحماية الأنسجة وإخفاء آثار الزمن.

ومنذ ذلك الحين، يُعرض جسد القديسة برناديت داخل صندوق زجاجي في دير القديس جيلدار بمدينة نيفير، حيث يبدو الجسد وكأنه في حالة نوم، مع يديها المتشابكتين ومسبحة موضوعة على صدرها.

وتشير الكنيسة الكاثوليكية إلى أن ظاهرة “عدم تحلل الجسد” ظهرت في حالات أخرى لعدد من القديسين، وتُعد لدى بعض المؤمنين علامة على القداسة، إلا أن الكنيسة نفسها لا تعتبرها شرطًا رسميًا لإعلان القداسة.

في المقابل، يقدم بعض الباحثين والعلماء تفسيرات طبيعية محتملة لهذه الظاهرة، منها طبيعة التربة، ومستوى الرطوبة، ودرجة التهوية داخل التابوت، إضافة إلى احتمال تشكل مواد شمعية طبيعية في الأنسجة البشرية تُعرف علميًا باسم “الأديبوسير” (Adipocere)، وهي مادة قد تُبطئ عملية التحلل.

ورغم مرور أكثر من قرن على وفاتها، ما تزال قصة برناديت سوبيرو حاضرة في النقاشات بين الإيمان والعلم، إذ يرى البعض في حالتها علامة روحية استثنائية، بينما يواصل آخرون البحث عن تفسير علمي لظاهرة ما زالت تثير الفضول والجدل حتى اليوم.