بين القوة والدعاية: قراءة في الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي وسرديات التبرير
صوفيا
د.محمد كمال علام
في كل مرة تشتعل فيها النيران في الشرق الأوسط، يتكرر المشهد ذاته صواريخ تسقط، مدن ثم تبدأ المعركة الأخرى، معركة الكلمات تُقصف، مدنيون يُدفنون تحت الأنقاض
ليست الحروب اليوم مجرد اشتباك عسكري إنها صراع روايات
أولاً: من يحدد «سبب الحرب»؟
منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 بدعم غربي واسع، ظلت العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة أحد أعمدة ميزان القوة في المنطقة. الدعم العسكري، الغطاء السياسي في مجلس الأمن، والمساعدات المالية السنوية الضخمة ليست تفاصيل جانبية، بل هي جزء من معادلة استراتيجية عميقة لكن في كل جولة تصعيد، تُقدَّم الأسباب بصيغة واحدة تقريبًا
الدفاع عن النفس هذا المفهوم، المشروع في القانون الدولي، يتحول في الخطاب السياسي إلى مظلة فضفاضة.تحتها تُبرَّر ضربات استباقية، حصارات طويلة، واستهداف بنى تحتية مدنية بحجة القضاء على تهديدات أمنية هل يُعرّف الأمن من زاوية واحدة فقط؟ السؤال الذي يطرح نفسه بقوة
ثانيًا: سلاح الدعاية… أخطر من الصاروخ
في عصر الإعلام الفوري، الصورة قد تسبق الحقيقة تبدأ الرواية الرسمية سريعًا: خطر وجودي، تهديد إرهابي، ضرورة عاجلة.ثم تُعاد صياغة المشهد عبر مؤتمرات صحفية وتحليلات تلفزيونية ومنصات رقمية.هنا لا تُخاض المعركة فقط على الأرض، بل في الوعي العالمي.وسائل الإعلام الكبرى في الغرب كثيرًا ما تتبنى الإطار المفاهيمي الرسمية، فتُستخدم مفردات مثل اشتباكات" بدل "قصف"، و"أضرار جانبية" بدل "ضحايا مدنيين". اللغة ليست بريئة.إنها تصنع إدراكًا.وفي المقابل، تظهر صور الضحايا المدنيين – أطفال تحت الأنقاض، مستشفيات بلا كهرباء، عائلات مشردة – لتكشف فجوة بين الخطاب السياسي والواقع الإنساني
ثالثًا: ازدواجية المعايير في القانون الدولي
حين تنتهك دولة ما حدود دولة أخرى في مكان ما من العالم، تُفرض العقوبات فورًا، وتُعقد الجلسات الطارئة، وتُرفع شعارات حماية السيادة لكن في الشرق الأوسط، تبدو المعايير أقل صرامة الفيتو في مجلس الأمن يُستخدم مرارًا لإسقاط مشاريع قرارات تدين العمليات العسكرية هذا التناقض لا يمر دون أثر القوة.إنه يرسّخ شعورًا واسعًا بأن القانون الدولي ليس سيفًا واحدًا على الجميع، بل أداة سياسية تُستخدم وفق ميزان
رابعًا: الحسابات الاستراتيجية خلف الخطاب الأخلاقي
لا يمكن قراءة أي هجوم عسكري في المنطقة دون فهم شبكة المصالح الأوسع:توازنات الردع مع قوى إقليمية
رسائل سياسية داخلية في لحظات أزمة حكومية.إعادة رسم قواعد الاشتباك اختبار حدود التحالفات
في كثير من الأحيان، تتحول العمليات العسكرية إلى وسيلة لإعادة تثبيت الردع أو لتغيير المعادلة السياسية
خامسًا: الضحية خارج المعادلة السياسية الداخلية، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر وسط كل هذا الجدل، هناك حقيقة ثابتة: المدني لا يملك خطابًا إعلاميًا ولا منصة دولية هو رقم في بيان، وصورة عابرة في نشرة الأخبار القانون الدولي الإنساني واضح في حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية لكن حين تصبح المدن ساحات حرب مكتظة، تتداخل الأهداف العسكرية مع الحياة اليومية، فتتضاعف الكلفة الإنسانية بشكل كارثي
سادسًا: هل الردع يولد الاستقرار؟
يُطرح دائمًا أن القوة الساحقة تحقق الردع طويل الأمد لكن تاريخ المنطقة يظهر أن كل جولة عنف تخلق جولة لاحقة ,الذاكرة الجمعية لا تنسى، والاحتقان لا يختفي بالقصف
الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الخوف وحده، بل على تسويات سياسية عادلة، ومعالجة جذور الصراع، لا أعراضه
بين الحقيقة والسردية
الحروب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ، بل بعدد العقول التي أقنعت برواية معينة
الهجوم العسكري قد ينتهي خلال أيام أو أسابيع، لكن معركة السرد تستمر سنوات
المسؤولية الأخلاقية لأي تحليل جاد لا تكمن في التحريض، بل في كشف التعقيد، ومساءلة القوة، والدفاع عن مبدأ إنساني بسيط:حياة المدني ليست تفصيلًا في بيان عسكري الحدث داخل ميزان القوى العالمي، لا كاشتباك محلي، بل كحلقة في صراع دولي أوسع
ما وراء النار: كيف يُعاد تشكيل ميزان القوى العالمي عبر الساحة الفلسطينية
عندما تتحرك إسرائيل عسكريًا بدعم سياسي وعسكري مفتوح من الولايات المتحدة، فالمسألة لا تكون مجرد “رد أمني” على تهديد مباشرالحدث، في سياقه الاستراتيجي، يرتبط بثلاث دوائر قوة كبرى:الهيمنة الأمريكية، صعود الصين، وتمدد روسيا، إضافة إلى العامل الإيراني لفهم الصورة، والنظر إلى الخريطة الكبرى
أولًا: الشرق الأوسط كركيزة في معادلة الهيمنة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اعتبرت واشنطن الشرق الأوسط منطقة حيوية لثلاثة أسباب- أمن الطاقة العالمي- حماية طرق التجارة البحرية منع صعود قوة منافسة تملأ الفراغ
الدعم غير المشروط تقريبًا لإسرائيل ليس فقط التزامًا سياسيًا تاريخيًا، بل جزء من بنية الردع الأمريكية في المنطقة-إسرائيل تمثل قاعدة متقدمة عسكريًا وتقنيًا واستخباراتيًا-في لحظة تتآكل فيها الهيمنة الأمريكية عالميًا، يصبح الحفاظ على التفوق في الشرق الأوسط رسالة موجهة- لخصوم أكبر، لا للفصائل المحلية فقط
ثانيًا: الصين… الحاضر الاقتصادي الغائب عسكريًا
الصين لا تتدخل عسكريًا في الصراع، لكنها المستفيد الأكبر من أي انشغال أمريكي طويل
استراتيجية بكين واضحة توسيع النفوذ الاقتصادي عبر مبادرة الحزام والطريق
تعزيز العلاقات مع دول الخليج-تجنب الانخراط العسكري المباشر-كلما استنزفت واشنطن مواردها سياسيًا وعسكريًا في أزمات الشرق الأوسط، زادت قدرة الصين على التمدد اقتصاديًا بهدوء
ثالثًا: روسيا… كسر الطوق الغربي
روسيا، خصوصًا بعد حرب أوكرانيا، تبحث عن ساحات تُربك واشنطن وتكشف ازدواجية خطابها حول القانون الدولي أي تصعيد كبير في فلسطين يخلق فرصة لموسكو لتقديم نفسها كصوت بديل في النظام الدولي، أو على الأقل لتعميق الانقسام داخل المعسكر الغربي
رابعًا: إيران ومعادلة الحرب غير المباشرة
إيران ليست مجرد طرف داعم لفصائل مسلحة؛
هي لاعب استراتيجي يسعى إلى فرض معادلة ردع إقليمية
وكل رد فعل إيراني محسوب يهدف لتثبيت معادلة:أي حرب شاملة ستكون مكلفة للجميع”
خامسًا: اختبار مصداقية النظام الدولي
واشنطن تقدم نفسها عالميًا كمدافع عن “النظام الدولي القائم على القواعد لكن أي دعم غير مشروط لعمليات عسكرية مثيرة للجدل يضعف هذا الخطاب أمام دول الجنوب العالمي
الدول الإفريقية، واللاتينية، والآسيوية تراقب
وكل تناقض بين الخطاب والممارسة يُستثمر سياسيًا من خصوم واشنطن
سادسًا: الداخل الأمريكي والإسرائيلي
لا يمكن فصل التصعيد عن الحسابات الداخلية في الولايات المتحدة، الدعم لإسرائيل جزء من توازنات سياسية داخلية وانتخابية في إسرائيل، الأزمات الأمنية كثيرًا ما تعيد ترتيب المشهد السياسي الداخلي وتؤجل أزمات الحكم
الحرب أحيانًا تُستخدم كأداة لإعادة توحيد الداخل ما يحدث ليس حادثًا معزولًا، بل تقاطع لعدة مسارات
أمريكا تحاول تثبيت نفوذها في لحظة انتقال عالمي
الصين تستفيد من الاستنزاف دون إطلاق رصاصة
روسيا تستثمر في كشف التناقضات الغربية
إيران تناور لتثبيت ردع إقليمي
إسرائيل تسعى لتكريس معادلة أمنية طويلة الأمد
لكن وسط كل هذه الحسابات الكبرى، هناك متغير لا يمكن ضبطه
التكلفة الإنسانية وتأثيرها طويل المدى على الاستقرار التاريخ يثبت أن موازين القوى العسكرية قد تُحسم سريعًا،لكن موازين الشرعية والذاكرة لا تُحسم بالقصف
حين تتحول القوة إلى غطاء للنار: قراءة غاضبة في السياسات الأمريكية والإسرائيلية
ليست كل الحروب سواء لكن موازين الشرعية والذاكرة لا تُحسم بالقصف هناك حروب تُخاض دفاعًا عن بقاءٍ مهدد،وهناك حروب تُدار بعقلية التفوق المطلق، حيث تُختزل الجغرافيا إلى أهداف، والبشر إلى أرقام
في كل تصعيد عسكري تقوده أو تدعمه الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل، يتكرر المشهد ذاته
تبريرات جاهزة، خطاب أخلاقي مصقول، ومصطلحات قانونية مصاغة بعناية لكن على الأرض، شيء آخر تمامًا يحدث
منطق القوة المطلقة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، منذ عقود، تقوم على فرضية واضحة:التفوق العسكري يمنح حق إعادة تشكيل الواقع من العراق إلى أفغانستان، ومن دعم العمليات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية إلى استخدام الفيتو في مجلس الأمن، تبدو الرسالة ثابتة:من يملك القوة، يملك تعريف “الشرعية”أما إسرائيل، فقد بنت استراتيجيتها الأمنية على مبدأ الردع الساحق؛ أي أن الرد يجب أن يكون أكبر، أقسى، وأكثر تدميرًا من الفعل الأول، حتى لو كان الثمن بنى تحتية مدنية، وأحياء مكتظة، ومستشفيات، ومدارس
الخطاب الأخلاقي… والواقع الدموي المفارقة القاسية تكمن هنا:يُرفع شعار “الدفاع عن النفس”، بينما تُحاصر مدن كاملة، وتُقطع الكهرباء والمياه، ويُترك المدنيون بين نارين
القانون الدولي الإنساني واضح في حماية المدنيين، لكن التطبيق يصبح انتقائيًا حين يتعلق الأمر بحلفاء استراتيجيين عندما تُقصف دولة معادية، يُقال إنها جريمة حرب وعندما يفعل الحليف الأمر ذاته، يُقال إنه “استهداف دقيق”اللغة ليست محايدةإنها سلاحصناعة الرواية… لا صناعة السلام
الولايات المتحدة لا تكتفي بالدعم العسكري؛ هي تدير أيضًا معركة السرد المؤتمرات الصحفية، البيانات الرسمية، التحليلات في كبريات القنوات، كلها تصوغ إطارًا ذهنيًا محددًا الخطر دائمًا قادم من الطرف الآخر،والرد دائمًا ضرورة لا بديل عنها
لكن ماذا عن جذور الصراع؟
ماذا عن الاحتلال، والحصار، والتوسع الاستيطاني، واختلال ميزان القوة بشكل جذري؟
هذه الأسئلة غالبًا ما تُختزل أو تُهمّش في الخطاب الرسمي
الكلفة الإنسانية: من يدفع الثمن؟
في كل مرة تُستخدم فيها عبارة “أضرار جانبية”، هناك عائلة فقدت أبناءها
في كل مرة يُقال “تم تحييد الهدف”، هناك حيٌّ سكني لم يعد صالحًا للحياة
السياسات التي تُدار بعقلية القوة المجردة قد تحقق تفوقًا تكتيكيًا، لكنها تزرع احتقانًا طويل الأمد
القصف لا يُنهي فكرة والحصار لا يُلغي ذاكرة ازدواجية المعايير: الجرح المفتوح حين تغزو دولة قوية دولة أضعف، تُفرض العقوبات خلال أيام
لكن حين يتعلق الأمر بحليف استراتيجي، تتحول الإدانات إلى “دعوات لضبط النفس”
هذا التناقض هو ما يغذي الغضب في المنطقة ليس فقط بسبب الصواريخ، بل بسبب الشعور بأن حياة الإنسان ليست ذات قيمة متساوية في ميزان السياسة الدولية
هل القوة تصنع الاستقرار؟
التاريخ القريب يجيب:كل جولة عنف تخلق جولة أخرى كل قصف يترك خلفه جيلًا جديدًا يرى العالم من زاوية الألم الاستقرار لا يُبنى على أنقاض المدن ولا يتحقق عبر فرض الهيمنة السلام الحقيقي يحتاج عدالة سياسية،وإنهاء الاحتلال،ومعادلة حقوق متكافئةبدون ذلك، ستظل المنطقة تدور في دائرة النار،وتظل الخطابات الأخلاقية تغطي واقعًا لا يمكن تجميل
