لماذا غابت الجاليات العربية عن مظاهرات مناهضة ترامب في أمريكا؟

 

الوكالة الكندية للأنباء 

في وقتٍ تتصاعد فيه وتيرة الاحتجاجات في عدد من المدن الأمريكية رفضًا لعودة الخطاب السياسي المرتبط بالرئيس السابق دونالد ترامب، يبرز غياب لافت للجاليات العربية عن مشهدٍ يفترض أنه يمسّها بشكل مباشر. هذا الغياب، أو الحضور المحدود، يثير تساؤلات حول موقع هذه الجاليات من الحراك السياسي، وحدود انخراطها في قضايا تبدو قريبة من مصالحها.

فعلى امتداد سنوات حكم ترامب، كانت الجاليات العربية ضمن أكثر الفئات تأثرًا بسياساته، لا سيما تلك المتعلقة بحظر السفر وتشديد إجراءات الهجرة، فضلًا عن خطابٍ سياسي أثار مخاوف واسعة بشأن تصاعد النزعات المعادية للمهاجرين. ومع ذلك، لم ينعكس هذا التأثر في مشاركة جماهيرية واضحة في الاحتجاجات الحالية.

يرى متابعون أن هذا التراجع لا يمكن فصله عن جملة من العوامل المركبة. فهناك أولًا حالة من الحذر المزمن لدى بعض أفراد الجاليات العربية تجاه الانخراط في الفضاء العام، نتيجة تجارب سابقة ارتبطت بالمراقبة أو التمييز. كما يبرز ضعف البنية التنظيمية كعامل مؤثر، إذ تفتقر قطاعات من هذه الجاليات إلى مؤسسات قادرة على الحشد والتعبئة مقارنة بجاليات أخرى أكثر رسوخًا في العمل السياسي.

إلى جانب ذلك، تلعب الانقسامات السياسية والفكرية داخل الجاليات العربية دورًا في إضعاف قدرتها على اتخاذ مواقف موحدة، ما ينعكس على مستوى المشاركة في قضايا كبرى. كما أن أولويات الحياة اليومية، من استقرار اقتصادي ومعيشي، تدفع كثيرين إلى تجنب الانخراط في تحركات احتجاجية قد تُنظر إليها على أنها مخاطرة غير محسوبة.

في المقابل، يشير بعض الباحثين إلى أن هذا الغياب من الشارع لا يعني انسحابًا كاملًا من المجال العام، بل يعكس تحولًا في أدوات المشاركة. فثمة حضور متزايد للجاليات العربية في مجالات مثل العمل المدني، والمبادرات المجتمعية، والتأثير الرقمي، وهي مسارات يراها البعض أكثر أمانًا وفعالية في المدى الطويل.

ورغم ذلك، تتصاعد أصوات من داخل هذه الجاليات تدعو إلى إعادة النظر في مستوى الانخراط السياسي، مؤكدة أن الغياب عن لحظات مفصلية قد يضعف القدرة على التأثير في السياسات التي تمسّهم بشكل مباشر.

في المحصلة، يكشف هذا الغياب عن إشكالية أعمق تتعلق بموقع الجاليات العربية داخل المشهد الأمريكي، بين الحذر المشروع والسعي إلى التأثير. وهو وضع يطرح سؤالًا مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه الجاليات ستظل على هامش الحراك، أم ستعيد تعريف حضورها في المستقبل القريب.