رضا الصعيدي… طبيب لم يُكمل طريقه، فداوى القلوب بالموسيقى
نيويورك.احمد محارم
في حياة بعض الأشخاص، لا تسير الطرق كما خُطط لها في البداية، لكنها تقودهم في النهاية إلى رسالتهم الحقيقية. هكذا كانت رحلة الفنان رضا الصعيدي، الذي بدأ شبابه حالماً بأن يكون طبيبًا، مؤمنًا بدور الأطباء في رعاية الناس وإسعادهم، قبل أن تأخذه الحياة إلى مسار مختلف تمامًا… لكنه لم يبتعد أبدًا عن هدفه الأسمى: إسعاد الآخرين.
في العشرين من عمره، التحق بدراسة الطب بدافع إنساني عميق، لكن لظروف متعددة غيّر وجهته، ليجد نفسه لاحقًا في مدينة نيويورك، حيث بدأت رحلة جديدة امتدت لأكثر من أربعين عامًا، ارتبطت فيها حياته بالناس، ولكن من بوابة الفن هذه المرة.
امتلك الصعيدي حسًا فنيًا مرهفًا، وقدرة فريدة على إدخال البهجة إلى القلوب، فاتخذ من الموسيقى وسيلة لتحقيق ما كان يحلم به منذ البداية. رفع شعارًا بسيطًا وعميقًا: "دنيا الناس هي دنيانا"، وجعله نهجًا لحياته ومسيرته.
لم يكن مجرد عازف أو مطرب، بل كان صاحب رسالة. في مناسبات وتجمعات عديدة، حضر ليقدم أرق الألحان وأجمل الأغاني التي أعادت الحضور إلى زمن الفن الجميل، فكان صوته وجسده الموسيقي مساحة للفرح والحنين في آن واحد.
ومع إيمانه بأهمية العمل العام، لم يكتفِ بالعطاء الفردي، بل نجح في تكوين مجموعة من الفنانين المتميزين من أبناء الجاليات العربية، لتتحول جهوده إلى أوركسترا معروفة قدمت عروضًا في ولايات الساحل الشرقي للولايات المتحدة، من نيويورك ونيوجيرسي إلى كونيتيكت، حاملة معها عبق التراث العربي وروحه.
وخلال احتفالات التراث العربي التي تقام سنويًا في شهر أبريل، كان حضوره دائمًا لافتًا ومؤثرًا. ومؤخرًا، شارك في فعالية مميزة نظمتها جامعة ستونى بروك في لونج آيلاند، بدعوة من الدكتورة سناء نديم، حيث احتشدت القاعة بالطلاب والأساتذة والضيوف على مدى ثلاث ساعات من الفن والتفاعل.
اللافت في هذه المناسبة كان التفاعل الكبير من طلاب الجيل الثاني من أبناء الجاليات العربية، الذين وجدوا في أدائه صلة حقيقية بثقافتهم وهويتهم، في مشهد عكس عمق ارتباطهم بجذورهم رغم البعد الجغرافي.
رضا الصعيدي لم يكن فقط فنانًا، بل كان إنسانًا يحمل همّ الناس في قلبه. وكما قال في حديثه: "دنيا الناس مليئة بالهموم"، لذلك جعل من إسعادهم وتقليل أوجاعهم أحد أهم أهدافه.
هكذا، قد لا يكون أكمل طريقه في الطب، لكنه نجح في أن يكون معالجًا من نوع آخر… يعالج الأرواح بالموسيقى، ويزرع الفرح في القلوب، ويثبت أن إسعاد الناس هو أسمى أشكال العطاء.






