ترحيل شابة مصرية من السويد بعد بلوغها سن الرشد رغم استقرارها لسنوات"
فتحي الضبع
لم يكن أصعب ما في الرحلة هو الطائرة، بل تلك اللحظة التي وقفت فيها ناردين رائد عوض عند باب المغادرة، تحاول أن تلتقط أنفاسها بين دموع عائلتها وذكرياتها التي لم تتسع لها حقيبة.
في الحادية والعشرين من عمرها، وجدت ناردين نفسها تغادر السويد وحيدة، البلد الذي لم يكن مجرد محطة لجوء، بل مساحة كبرت فيها، درست، عملت، وحلمت بأن تبني لنفسها حياة كريمة. منذ أن وصلت في صيف 2022 وهي لم تتجاوز السابعة عشرة، بدأت رحلة جديدة مع والدتها في ضواحي ستوكهولم، حيث التحقت بتعليم الكبار وعملت في مطعم، محاولة أن تجد مكانها في مجتمع جديد.
لكن هذه القصة لم تُكتب نهايتها كما أرادت.
قرار الترحيل الذي صدر بحقها العام الماضي كان حاسماً. لم يشملها تعليق ترحيل بعض الشباب الذي أعلنت عنه الحكومة لاحقاً، وبمجرد أن بلغت الثامنة عشرة، أصبحت مطالبة بالمغادرة. لم تُتهم بجرم، ولم تُخفق في الاندماج، كما تقول، بل كان "العمر" وحده كافياً ليضع حداً لكل ما بنته.
في الأيام الأخيرة، كانت ناردين تعيش بين أملٍ يتلاشى وواقعٍ يقترب. جهزت تذكرتها كما طُلب منها، رغم خوفها من الاحتجاز. حاولت أن تكسب وقتاً، لكن الإجابة كانت واضحة: القرار لن يتغير.
في منزلها، كانت تجمع أغراضها، تتوقف عند كل تفصيلة صغيرة: تذكار من مدينة الملاهي، صورة مع صديقة، قطعة ملابس ارتبطت بذكرى. قالت بصوت مكسور: "كيف يمكنني أن أحزم الذكريات؟"
يوم الرحيل، بدا كل شيء أثقل من المعتاد. احتضنت والدتها طويلاً، كأنها تحاول أن تختصر سنوات من الأمان في لحظة وداع واحدة. كانت تحاول أن تبدو قوية، لكنها لم تستطع. الدموع سبقتها.
المفارقة المؤلمة أن والدتها سُمح لها بالبقاء، بعد حصولها على تمديد إقامة، بينما اضطرت ناردين إلى الرحيل وحدها.
في المطار، لم تكن تحمل فقط حقيبة، بل أسئلة لا إجابات لها. ماذا ينتظرها في مصر؟ لا أقارب، لا أصدقاء، ولا حتى مكان واضح تذهب إليه. قالت بقلق: "لا أعرف من سيستقبلني... ولا إلى أين سأذهب."
حتى اللحظة الأخيرة، تمسكت بشيء من الأمل. ربما قرار يتغير، ربما استثناء، ربما فرصة أخيرة. لكن يوم الجمعة أدركت الحقيقة: عليها أن تغادر.
قضية ناردين لم تمر بهدوء. أصبحت رمزاً لنقاش أوسع في السويد حول ترحيل الشباب الذين نشأوا داخل المجتمع لكن لم يتمكنوا من تثبيت إقامتهم. بين من يرى في القانون ضرورة، ومن يرى في القصة وجهاً إنسانياً مؤلماً، تبقى ناردين واحدة من هؤلاء الذين علقوا بين نظامين: حياة بدأوها... وأخرى فُرضت عليهم.
أما هي، فلم يكن لديها وقت للدخول في هذا الجدل.
كل ما كانت تعرفه، وهي تتجه نحو بوابة المغادرة، أنها تترك وراءها حياة كاملة… وتمضي نحو مستقبل لا تعرف عنه شيئاً.
