حين تعجز المسافات عن اقتلاع الهوية.. ينتصر الفن
نيويورك.أحمد محارم
حين تعجز المسافات عن اقتلاع الهوية، لا يعود الفن مجرد موسيقى تُسمع، بل يصبح وطنًا يُعاش، وذاكرةً تُستعاد، ودفئًا يُرمّم ما أفسدته الغربة في الروح. وهذا تمامًا ما حدث في نيويورك، حين تحوّلت أمسية الأوركسترا الوطنية العربية إلى ما هو أبعد من حفلٍ فني؛ إلى لحظةٍ إنسانية نادرة، التقت فيها الجاليات العربية حول أصواتٍ تشبهها، وأغانٍ تحمل رائحة الأمكنة الأولى، ولهجات البيوت، وحنينًا ظلّ طويلًا يبحث عن نافذةٍ يعود منها.
هناك، بدا واضحًا أن الانتماء الحقيقي لا تُحدّده الجغرافيا، وأن الأوطان قد تبتعد، لكنها لا تغادر القلوب ما دام للفن صوتٌ يتذكّرها.
للمرة الثانية، احتضنت نيويورك حفلًا للأوركسترا الوطنية العربية، في أمسية فنية وغنائية أعادت تقديم ملامح الفن العربي الأصيل بروحٍ راقية، حيث قدّم الفنان عبد الكريم باقة من أشهر أغاني عمالقة الطرب العربي، في أداء حمل كثيرًا من الدفء والإحساس، واستعاد ذاكرة زمنٍ كان فيه الفن رسالةً والجمال قيمةً والصوتُ الصادق عنوانًا للإبداع.
وبقيادة المايسترو العالمي Joseph Ibrahim، تحولت الأمسية إلى رحلة موسيقية آسرة، امتزجت فيها الألحان بالمشاعر، وعاش الجمهور ساعاتٍ من الطرب الراقي الذي أعاد إحياء روح «الزمن الجميل»، في وقتٍ باتت فيه الحاجة إلى الفن الحقيقي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
ولم تكن هذه التجربة الأولى؛ إذ سبقتها أمسية مميزة أحيتها مطربة الأوبرا المصرية الشهيرة Iman Abdelghani، ما يؤكد أن نيويورك أصبحت محطةً متجددة لاحتضان الفنون العربية الرفيعة، ومساحةً تمنح الصوت العربي الأصيل فرصة للوصول إلى جمهور متعطش للفن الراقي.
وخلف هذا النجاح، برز الدور اللافت لمؤسسة «موزاييك الفنية»، التي حرصت، بدعم من مجموعة من الرعاة، على تقديم صورة مشرقة للفن العربي في المهجر، وإبراز أجمل الأصوات العربية، في رسالة ثقافية تتجاوز الترفيه إلى ترسيخ الهوية، وربط الأجيال الجديدة بجذورها الفنية والثقافية.
ولعلّ المشهد الأجمل لم يكن على المسرح فقط، بل في الحضور الواسع الذي جاء من مختلف الولايات الأمريكية، من نيويورك ونيوجيرسي وكونيتيكت على الساحل الشرقي، وصولًا إلى كاليفورنيا في الساحل الغربي، في مشهدٍ عكس تعطّش الجاليات العربية لمساحات تجمعهم حول الفن والذاكرة واللغة والانتماء.
كما شهدت الأمسية حضورًا ودعمًا من عدد من مؤسسات المجتمع المدني العربي الأمريكي، من بينها الجمعية العربية الأمريكية، والمركز الثقافي المصري الأمريكي، ومؤسسة السعادة، وجمعية الوفاء، والجمعية المصرية الأمريكية للثقافة والفنون، وهابي ترافيل، في صورة تؤكد أن الثقافة والفن ما زالا قادرين على بناء الجسور بين الناس، مهما ابتعدت بهم الجغرافيا.
ومن الجميل أيضًا أن تتحول مثل هذه الفعاليات إلى منصاتٍ للتبادل الثقافي والمعرفي، حيث شهدت الأمسية إشارات لافتة إلى الندوة المرتقبة التي يُحييها عالم الآثار المصري الشهير Zahi Hawass في نيويورك يوم الأحد الموافق السابع من يونيو، بما يعكس حالةً من الحراك الثقافي العربي المتنامي في المهجر.
فالفن الحقيقي يُرمّم شيئًا عميقًا في الروح. وحين تُعزف الموسيقى العربية في قلب نيويورك، لا يكون الحفل مجرد أمسية طربية، بل إعلانًا جميلًا بأن الهوية لا تُهاجر، وأن الأوطان قد تبتعد جغرافيًا، لكنها تظل تسكن الوجدان.














