من جذور الأمازيغ إلى حقول غار الدماء… حكاية سعيدة الزواوي
تونس. الأسعد الحرزي
في عالم تتسارع فيه التحولات وتتشابه فيه الوجوه، تبقى بعض الحكايات قادرة على أن تفرض حضورها بهدوء، لأنها لا تُصنع في الضوء بل في عمق الحياة نفسها. من بين هذه الحكايات، تبرز سيرة سعيدة الزواوي، امرأة من أصول جزائرية أمازيغية، أم لخمسة أطفال، وفلاحة ورثت الأرض أبا عن جد، لتواصل اليوم رحلتها في شمال تونس، داخل معتمدية غار الدماء (ورغش)، حيث تلتقي الطبيعة القاسية بجمال الإنسان الصابر.
جذور تمتد بين ضفتين
سعيدة ليست مجرد اسم عابر في سجل النساء الريفيات، بل هي امتداد لجذور ممتدة بين الجزائر وتونس، وبين الذاكرة الأمازيغية العريقة وواقع الريف المغاربي اليوم. تنحدر من أصول أمازيغية جزائرية، حيث الأرض ليست ملكية فقط، بل هوية وذاكرة وانتماء.
هذا الامتداد الجغرافي والإنساني جعل من حياتها جسراً بين ثقافتين متقاربتين في الروح، متحدتين في العلاقة العميقة مع الأرض، ومعنى الكرامة المرتبط بالعمل اليدوي والكفاح اليومي.
غار الدماء (ورغش)… المكان الذي احتضن الحكاية
في شمال تونس، وتحديدًا في معتمدية غار الدماء (ورغش)، حيث تتعانق التلال مع الحقول، وتنساب الحياة بين الفصول بهدوء الريف، اختارت سعيدة أن تستقر وتواصل مسيرتها. هناك، لا تبدو الحياة سهلة، لكنها صادقة، واضحة، لا تعرف المجاملة.
في هذا المكان، لا تُقاس القيمة بما يُقال، بل بما يُنجز. وهنا بالذات، وجدت سعيدة فضاءها الطبيعي: أرضًا تزرعها، وأبناءً تربيهم، وحياة تبنيها كل يوم من جديد.
الأمومة… مسؤولية لا تنفصل عن الأرض
كونها أم لخمسة أطفال لم يكن تفصيلاً في حياتها، بل هو محور أساسي يعيد تشكيل كل يوم من أيامها. بين الحقول والبيت، بين مسؤولية التربية ومسؤولية العمل في الأرض، تعيش سعيدة حياة مزدوجة لا تعرف التوقف.
في ساعات الفجر الأولى، حين ينام العالم، تكون هي قد بدأت يومها. تُحضّر أبناءها، ثم تتجه إلى الأرض، وكأنها تذهب إلى جزء من ذاتها. بالنسبة لها، الأمومة ليست فقط عاطفة، بل مشروع حياة متكامل يُبنى بالصبر، تمامًا كما تُزرع البذور في التربة.
الفلاحة… فلسفة الصبر والكرامة
في عالم سريع ومتغير، تبدو الفلاحة عند سعيدة خيارًا ثابتًا لا يتزعزع. ليست مهنة اضطرارية، بل إرث ووعي وانتماء. الأرض عندها لا تخون، لكنها تختبر الصبر.
تزرع، تنتظر، تحصد، ثم تعيد الدورة من جديد. وفي هذا الإيقاع البسيط، تختبئ فلسفة عميقة: أن الحياة ليست سباقًا، بل استمرار هادئ لمن يعرف كيف يصبر على الزمن.
كل حبة تراب تلمسها تحمل معنى، وكل موسم حصاد هو شهادة جديدة على أن التعب لا يضيع حين يكون موجهًا نحو الأرض.
الهوية الأمازيغية… ذاكرة لا تموت
تنتمي سعيدة إلى الهوية الأمازيغية، وهي هوية تتجاوز الانتماء العرقي إلى معنى أوسع: الارتباط بالأرض، باللغة، بالذاكرة، وبقيمة الإنسان في مواجهة الزمن.
في حديثها البسيط، وفي نظرتها للحياة، يظهر هذا العمق الثقافي الذي يجعل من الصبر قيمة، ومن العمل اليدوي شرفًا، ومن الأرض كيانًا حيًا لا يُعامل كجماد.
الأمازيغية هنا ليست ماضيًا فقط، بل حاضرٌ يعيش في تفاصيل الحياة اليومية، في طريقة التفكير، وفي احترام الطبيعة والإنسان معًا.
امرأة من الريف… وصوت عالمي للحياة الصامتة
قصة سعيدة الزواوي تتجاوز حدود المكان. فهي ليست مجرد سيرة امرأة في ريف شمال تونس، بل نموذج إنساني يتكرر بصور مختلفة في العالم: امرأة تعمل بصمت، تُربي جيلاً، وتحافظ على دورة الحياة دون ضجيج.
في زمن تُروى فيه القصص الكبيرة عبر الشاشات، تبقى قصص مثل قصة سعيدة هي الأكثر صدقًا، لأنها لا تبحث عن الضوء، بل تصنع معناها داخله.
خاتمة… حين تتحول الحياة إلى رسالة
في النهاية، تبقى سعيدة الزواوي مثالاً لامرأة صنعت من الأرض هوية، ومن الأمومة رسالة، ومن الصبر أسلوب حياة. بين جذورها الأمازيغية في الجزائر، وحياتها في شمال تونس داخل غار الدماء (ورغش)، تكتب قصة إنسانية تتجاوز الحدود، وتقترب من العالمية في بساطتها وعمقها.
هي ليست مجرد فلاحة، ولا مجرد أم، بل حكاية متكاملة عن الإنسان حين يختار أن يعيش بكرامة، ويزرع الحياة حيثما وُجد.

