امسحوا ماضيّ بالكامل”.. الطلب المرعب الذي قاله يوسف وهبي لطبيبه في جنيف


في إحدى أكثر اللحظات قسوة في حياة عميد المسرح العربي يوسف  وهبي، التُقطت هذه الصورة داخل مستشفى للأمراض العصبية في مدينة جنيف ، بعد أن تحولت حياته فجأة إلى مأساة لا تحتمل.

لم يكن يوسف وهبي يومها مجرد فنان كبير يعيش أزمة نفسية عابرة، بل كان أبًا مكسورًا فقد ابنته الروحية “بثينة”، ابنة زوجته سعيدة منصور، التي أحبها وربّاها كأنها ابنته تمامًا.

الصدمة لم تكن في الوفاة فقط… بل في أن وهبي كان الشاهد الوحيد على لحظة سقوطها المأساوية من فوق السور.
مشهد واحد ظل يطارده بلا رحمة، يقتحم نومه وصحوته، ويعيد إليه الإحساس بالعجز كل يوم.

وفي حوار مؤلم مع مجلة عام 1957، كشف يوسف وهبي تفاصيل تلك الأيام السوداء، وكيف انهار نفسيًا إلى درجة دفعت أسرته للسفر به إلى جنيف بحثًا عن علاج ينقذه من ذكرياته.

داخل أحد أشهر مستشفيات الأمراض العصبية هناك، جلس الفنان الكبير أمام طبيب عالمي متخصص، قرأ ملفه كاملًا، وتأمل تاريخه الطويل، ثم وضع أمامه خيارين قاسيين:

إما عملية تؤدي إلى شلّ عصب في المخ، فيفقد معها ذاكرته بالكامل، وينسى سنوات مجده الفني وخبرته المسرحية الممتدة لعقود…
أو الخضوع لعلاج صادم يقوم على النوم الإجباري المتواصل لمدة شهر كامل، حتى يتوقف العقل عن استدعاء المأساة.

المفاجأة أن يوسف وهبي اختار التضحية بذاكرته.

كان يريد فقط أن يهرب من الألم، حتى لو كان الثمن تاريخه كله.

لكن الطبيب رفض بشدة، وقال له إن الإنسان قد يندم على فقدان ماضيه أكثر من ندمه على ألمه، وأصرّ على العلاج الثاني.

ومن هنا بدأت واحدة من أغرب وأقسى مراحل العلاج النفسي في حياة فنان عربي كبير.

كل يوم، في السادسة صباحًا، كان يتلقى حقنة منومة تجعله يغرق في النوم حتى المساء.
ثم يستيقظ قليلًا، ليتلقى حقنة جديدة في السادسة والنصف مساءً، ويعود للنوم حتى اليوم التالي.

أيام كاملة كان يعيشها بين الغياب والإفاقة، وكأنه يحاول دفن الذكرى داخل النوم.

لكن حتى ذلك لم يكن كافيًا.

بعد 23 يومًا فقط، اضطر يوسف وهبي إلى إيقاف العلاج والعودة إلى مصر، بعدما نفدت أمواله، رغم أن الأطباء أكدوا حاجته إلى أسبوعين إضافيين على الأقل. عاد منهكًا، فاقدًا للكثير من وزنه، لكنه عاد أيضًا بحقيقة واحدة أدركها جيدًا:

أن العمل وحده يمكنه إنقاذه.

قالها وقتها بحزن شديد:
“أسأل الله الصبر والسلوان… فالعمل هو الطريق الوحيد للنسيان.”

وبالفعل، عاد يوسف وهبي إلى المسرح والسينما بكثافة مدهشة، وكأنه كان يهرب إلى الفن كلما طاردته الذكرى.
تحول الألم إلى طاقة عمل هائلة، واستمر حتى أصبح واحدًا من أهم وأبقى رموز الفن العربي في القرن العشرين.

وربما لهذا السبب تحديدًا، بقي يوسف وهبي أسطورة…
لأنه لم يهزم الحزن، لكنه تعلّم كيف يعيش معه.