“من المحلة إلى تورينو.. رحلة طالب مصري انتهت بليلة دامية في شوارع إيطاليا”


تورينو.د.على حرحش

لم يكن الشاب المصري محمد السيد محمود السيد السيسي يتخيّل أن رحلته التي بدأت من أحياء العمال في مدينة المحلة الكبرى ستقوده إلى ليلة دامية في قلب مدينة تورينو الإيطالية، فقط لأنه لم يكن يحمل “بقية خمسين يورو”.

محمد، ابن عائلة مصرية متوسطة من الطبقة العاملة، نشأ وسط بيوت عمال الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، حيث أمضى والده سنوات عمره داخل المصانع قبل أن يُقعده المرض ويُصاب بالشلل. وبين ضيق الحياة ومسؤوليات الأسرة، كان حلم محمد أكبر من حدود الواقع الذي عاشه.


بعد تخرجه في كلية الهندسة من إحدى الجامعات في ماليزيا، قرر أن يواصل رحلته العلمية في أوروبا، فوصل إلى إيطاليا في ديسمبر 2023، ملتحقًا ببرنامج الماجستير في هندسة الحاسوب بجامعة ، على أمل أن يتخرج عام 2027 ويصنع مستقبلاً مختلفًا له ولأسرته.

لكن الدراسة في أوروبا لم تكن سهلة لطالب يعيل نفسه بنفسه.

كان محمد يعمل سائق توصيل طلبات بدوام مرهق حتى يتمكن من دفع مصروفاته الجامعية والإيجار والطعام. يبدأ يومه بالدراسة فجراً، ثم يعمل لساعات طويلة على دراجته، قبل أن يعود لكتبه ومحاضراته مجددًا.

يقول محمد:
“أعمل من الظهر حتى العصر، ثم أعود للدراسة، وبعدها أخرج مجددًا للعمل حتى منتصف الليل تقريبًا. كنت أنام ساعات قليلة فقط حتى أستطيع الاستمرار.”

ورغم قسوة الحياة، كان يتمسك بحلمه.

لكن مساء الأربعاء 29 أبريل، تغيّر كل شيء.

في الساعة العاشرة والنصف ليلاً، تلقّى محمد طلب توصيل في شارع روسيني بوسط تورينو. كانت قيمة الطلب 19.51 يورو، بينما كانت الزبونة تحمل ورقة نقدية من فئة خمسين يورو. حاول الشاب المصري أن يشرح بهدوء أنه لا يملك “فكة” كافية، واقترح عليها الدفع إلكترونيًا أو التواصل مع خدمة العملاء لتحصيل المبلغ لاحقًا.

لكن الموقف تحول فجأة إلى كابوس.

بحسب روايته لصحيفة “لا ستامبا” الإيطالية، ظهرت فجأة مجموعة من الأشخاص يعرفون الفتاة، وبدأوا في توبيخه والسخرية منه، قبل أن يتلقى لكمة عنيفة في وجهه أسقطته أرضًا.

يقول محمد:
“لم يفهموا شيئًا… حاولت فقط أن أشرح لهم المشكلة، لكنهم هاجموني بعنف. بعدها لا أتذكر شيئًا.”

استفاق الشاب المصري على وجه متورم، وأسنان مكسورة، وإصابات في الركبة، وأربعة غرز في وجهه، بينما كان هاتفه قد تحطم والطعام قد سُرق، وفرّ المعتدون هاربين.

الأصعب من الاعتداء نفسه، كان ما تلاه.

فعلى مدار أربعة أيام كاملة، لم يتمكن محمد من تحرير محضر رسمي بالواقعة، بعدما قيل له إن المشكلة أنه لا يتحدث الإيطالية بطلاقة، ولم يجد من يسانده أو يساعده في التواصل مع الشرطة. إلى أن تدخّل صحفي إيطالي نشر قصته، لتتحرك بعدها قوات الكارابينيري وتستمع إلى أقواله رسميًا.

اليوم، لا يتحدث محمد عن الألم الجسدي فقط، بل عن الخوف.

الخوف من العودة إلى العمل.
الخوف من مقابلة المعتدين مجددًا.
الخوف من السير في الشارع وحده.

ويؤكد أنه تلقى تهديدات بعد حديثه للإعلام الإيطالي، ما دفعه للتفكير في ترك تورينو بالكامل والانتقال إلى مدينة أخرى بحثًا عن الأمان.

يقول بصوت مثقل بالقلق:
“لم أعد أستطيع النوم… أريد فقط أن أشعر بالأمان. أحتاج إلى محامٍ، وأحتاج إلى من يقف بجانبي.”

ورغم كل ما حدث، لا يزال الطالب المصري يحاول التمسك بحلمه الدراسي، في مواجهة واقع قاسٍ يعيشه كثير من الطلاب المهاجرين الذين يدرسون نهارًا ويعملون ليلًا حتى يتمكنوا من البقاء.

قصة محمد ليست مجرد واقعة اعتداء عابرة في شوارع إيطاليا، بل حكاية شاب مصري حمل حلمه من مصانع المحلة الكبرى إلى أوروبا، ليكتشف أن الطريق إلى المستقبل قد يكون أحيانًا أكثر قسوة مما تخيله.