الأقباط في الخطاب الدولي: إشكالية التوصيف وحدود السيادة


بقلم:  الإعلامية جورجيت شرقاوي 

في واقعة ليست الأولى من نوعها، أثارت السفارة الأمريكية في القاهرة جدلاً واسعاً بعد استخدامها مصطلح "الأقلية المسيحية" في بيان رسمي يتعلق بلقاء مع قداسة البابا تواضروس الثاني. وسرعان ما تعرضت حسابات السفارة لهجوم واسع على وسائل التواصل، مما دفعها إلى تعديل البيان وحذف المصطلح المثير للجدل.

و تعيد الواقعة إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للغة الحقوق الدولية أن تتعايش مع خصوصيات الدولة الوطنية دون استفزاز أو تدخل؟

من الناحية الفنية، يُعد مصطلح "الأقليات الدينية" قياسياً في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وفق إعلان الأمم المتحدة لعام 1992. لكنه في السياق المصري يحمل دلالات مختلفة تماماً. مصر — كدولة مركزية عريقة — لا تتعامل مع مواطنيها على أساس "أقلية وأكثرية"، بل على أساس المواطنة الكاملة والمتساوية. الأقباط ليسوا "أقلية" في الوجدان المصري، بل هم جزء أصيل من نسيج الوطن، يشاركون في هويته الحضارية منذ آلاف السنين.

استخدام هذا المصطلح يُفسر محلياً كمحاولة لـ"طائفة" المجتمع وفتح الباب أمام التدويل، وهو ما يرفضه الرأي العام المصري مسلمين ومسيحيين  رفضاً قاطعاً.

و يحتاج إدارة ملف حقوق المواطنين الأقباط على المستوى الدولي إلى ذكاء استراتيجي يجمع بين الشفافية والحساسية الوطنية. و الطريق الأمثل يكمن في اللغة الدبلوماسية المناسبة، و استخدام مصطلحات مثل "المواطنون الأقباط" أو "شركاء الوطن المسيحيون" بدلاً من "الأقلية"، هذه اللغة تحترم الواقع الدولي دون استفزاز الوجدان الوطني.

الإعلامية جورجيت شرقاوي 

التركيز على الحلول الداخلية: تقديم التقدم المصري في مواجهة الفتن الطائفية، توحيد الخطاب الديني، وتطوير التشريعات مثل قانون بناء الكنائس كإنجازات وطنية، لا كـ"تنازلات" تحت ضغط خارجي.

و الكنيسة القبطية شريك أساسي في هذا الملف، و أي حوار دولي يجب أن يمر عبرها أو بالتنسيق معها، لا عبر منظمات خارجية.

و بناء قنوات تواصل مستمرة مع الدول الغربية والمنظمات الدولية لتوضيح السياق المصري قبل صدور التقارير، بدلاً من التصحيح اللاحق.

المؤتمرات الخارجية.. عباءة حقوقية للهجوم السياسي

في الفترة الأخيرة، شهدنا سلسلة من المؤتمرات والفعاليات في الخارج خاصة في أوروبا وأمريكا ترفع شعار "حقوق الأقباط"، لكنها في جوهرها تشن هجوماً سياسياً منظماً على الدولة المصرية. بعض هذه المؤتمرات تجمع شخصيات معارضة هاربة، وناشطين معروفين بمواقفهم المتطرفة، ومنظمات ممولة من جهات تسعى للضغط على القاهرة.

تستخدم أرقاماً مبالغاً فيها أو حوادث قديمة معزولة لتصوير مصر كـ"دولة اضطهاد".

تهدف إلى التأثير على البرلمانات الغربية والكونغرس الأمريكي لفرض شروط على المساعدات العسكرية أو الاقتصادية.

هذه الفعاليات لا تخدم الأقباط، بل تستغلهم كـ"ورقة" في صراع سياسي أوسع. اللافت أنها غالباً ما تتجاهل التقدم الكبير الذي تحقق في عهد الرئيس السيسي: بناء آلاف الكنائس، مواجهة الإرهاب الطائفي، وتعزيز التمثيل في المناصب العامة.

و مصر ليست في حاجة إلى دروس خارجية في المواطنة، لقد نجحت الدولة في الحفاظ على وحدتها الوطنية رغم كل التحديات. أما الحقوق فهي تتحقق بالتنمية والعدالة الاجتماعية والقانون، لا بالتصنيفات الطائفية، و على المجتمع الدولي أن يدرك أن التعامل مع مصر يتطلب احترام خصوصيتها الحضارية، و الملف ليس دينياً بحتاً، بل أمن قومي وسيادي. و الدولة المصرية تراه امتداداً للوحدة الوطنية، بينما بعض الدوائر الغربية (وبعض المنظمات الحقوقية) تراه "ملف أقليات" يمكن استخدامه كأداة ضغط جيوسياسي، هذا التعارض هو مصدر التوتر الدائم.

 أما الدولة المصرية فمطالبة باستمرار سياسة الشفافية والتواصل الاستباقي، مع الحزم في مواجهة أي محاولة لاستغلال الملف الطائفي سياسياً.

الوحدة الوطنية خط أحمر،وستظل كذلك.أما إدارة الملف بنجاح تتطلب فصل الحقوق عن السياسة. الحقوق تُدار داخلياً بالتنمية والعدالة، والتواصل الدولي يجب أن يكون مصرياً خالصاً ، عن طريق الدولة و كنيسة وليس عبر وسطاء معارضين، الذي تمتلك أوراق قوة كبيرة، ويجب استخدامها لتحويل الملف من "نقطة ضعف" إلى "نموذج نجاح" في إدارة التنوع الديني في المنطقة.فالنجاح الحقيقي يكمن في أن يرى الغرب أن مصلحة الأقباط مرتبطة بقوة الدولة المصرية، لا بانضعافها.