علي سالم.. من نجم الكوميديا السياسية إلى أكثر كتّاب مصر عزلةً.. كيف غيّرت رحلة إلى إسرائيل مسيرة كاتب كبير؟
القاهرة
لم يكن اسم الكاتب المسرحي والروائي المصري علي سالم مجرد اسم لامع في عالم الأدب والمسرح، بل كان واحدًا من أبرز صناع الكوميديا السياسية في مصر والعالم العربي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. غير أن رحلة واحدة إلى إسرائيل، بعد توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، كانت كافية لتحول مسيرته من قصة نجاح أدبي إلى واحدة من أكثر القضايا الثقافية والسياسية إثارةً للجدل في التاريخ الثقافي المصري الحديث.
وبين الإبداع والمقاطعة، وبين الاحتفاء الدولي والهجوم العربي، عاش علي سالم سنواته الأخيرة في عزلة ثقافية، بينما ظل اسمه حاضرًا كلما أثيرت قضية التطبيع مع إسرائيل.
بداية الحكاية
وُلد علي سالم عام 1936 في محافظة دمياط، وتخرج في كلية التجارة بجامعة القاهرة، لكنه اختار أن تكون الكتابة طريقه الحقيقي.
بدأ حياته الأدبية بكتابة القصة القصيرة، قبل أن يتجه إلى المسرح، حيث لمع نجمه سريعًا بفضل أسلوبه الساخر الذي جمع بين النقد السياسي والكوميديا الاجتماعية.
ومن أشهر أعماله المسرحية:
مدرسة المشاغبين (شارك في كتابة فكرتها الأولى قبل تطوير النص النهائي بواسطة آخرين).
الناس اللي في التالت.
اغتصاب.
خشب الورد.
واشتهر بأسلوبه اللاذع الذي انتقد البيروقراطية والسلطة والمجتمع، دون أن يفقد حسه الفكاهي.
الرحلة التي غيّرت كل شيء
في منتصف التسعينيات قرر علي سالم القيام برحلة برية إلى إسرائيل، في وقت كانت فيه غالبية المثقفين المصريين والعرب يعتبرون أي تواصل ثقافي مع إسرائيل نوعًا من التطبيع المرفوض.
سافر عبر معبر طابا، وتجول في عدد من المدن الإسرائيلية والتقى بأكاديميين وسياسيين ومواطنين عاديين، ثم دوّن تفاصيل رحلته في كتابه الأشهر رحلة إلى إسرائيل.
لم يكن الكتاب مجرد سرد لرحلة سياحية، بل حمل دفاعًا واضحًا عن فكرة الحوار المباشر مع الإسرائيليين، معتبرًا أن معرفة "الآخر" أفضل من مقاطعته.
وهنا بدأت الأزمة الكبرى.
المقاطعة والعزلة
ما إن صدر الكتاب حتى واجه علي سالم واحدة من أعنف حملات الرفض في الوسط الثقافي العربي.
ففي مصر، قرر اتحاد كتاب مصر شطبه من عضويته، كما قاطعته غالبية المؤسسات الثقافية.
واعتبر عدد كبير من المثقفين أن زيارته تجاوزت مجرد السياحة، لتتحول إلى ترويج للتطبيع الثقافي مع إسرائيل، خاصة في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
وأصبحت أعماله تُستبعد من كثير من الفعاليات الرسمية والثقافية، بينما تراجعت حضوره الإعلامي في مصر بصورة ملحوظة.
كيف كانت صورته في الإعلام المصري؟
تحولت صورة علي سالم في الإعلام المصري إلى نموذج للكاتب المثير للجدل.
فبينما كان يُقدم سابقًا باعتباره أحد أبرز كتاب المسرح الساخر، أصبحت معظم التغطيات الصحفية تربط اسمه بقضية التطبيع.
الصحافة القومية غالبًا ما تناولت أخباره بحذر، في حين هاجمته صحف حزبية وقومية معارضة بشدة، واعتبرته رمزًا لكسر الإجماع الثقافي العربي الرافض للتطبيع.
في المقابل، دافع عنه عدد محدود من المثقفين باعتبار أن حرية السفر وإبداء الرأي لا تستوجب الإقصاء الثقافي، حتى مع الاختلاف معه سياسيًا.
الاحتفاء الإسرائيلي بعلي سالم
على الجانب الآخر، حظي علي سالم باهتمام واسع داخل إسرائيل.
فقد أجرت معه وسائل إعلام إسرائيلية لقاءات عديدة، وقدّمته بوصفه "أحد أبرز المثقفين العرب الداعين إلى السلام".
كما تُرجمت بعض كتاباته إلى العبرية، واستُخدمت تصريحاته في تغطيات إعلامية إسرائيلية باعتبارها دليلًا على وجود أصوات عربية تؤيد الحوار المباشر مع الإسرائيليين.
ولم يخفِ علي سالم اعتزازه بعلاقاته مع عدد من المثقفين الإسرائيليين، وهو ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة إليه في العالم العربي.
كيف تناولته الصحافة العالمية؟
وجدت الصحافة الغربية في قصة علي سالم مادة صحفية ثرية.
فقد وصفته تقارير عديدة بأنه "كاتب مصري دفع ثمن آرائه السياسية"، بينما ركزت تقارير أخرى على كونه نموذجًا للصدام بين حرية التعبير والإجماع السياسي في المنطقة.
وتناولت صحف دولية مسألة عزله من المؤسسات الثقافية باعتبارها جزءًا من الجدل الأوسع حول التطبيع العربي الإسرائيلي، مع الإشارة إلى أن مواقفه أثارت اعتراضًا واسعًا في الأوساط الثقافية العربية.
سنواته الأخيرة
رغم المقاطعة، لم يتراجع علي سالم عن مواقفه.
واستمر في كتابة المقالات وإجراء اللقاءات الصحفية والدفاع عن قناعاته حتى وفاته عام 2015.
ورحل وهو لا يزال منقسمًا حوله الرأي العام؛ فالبعض رآه كاتبًا شجاعًا دفع ثمن قناعاته، بينما اعتبره آخرون نموذجًا لمثقف تجاوز الثوابت الوطنية والقومية.
هل يمكن أن يتكرر نموذج علي سالم؟
الإجابة ليست بسيطة.
فالظروف السياسية والإعلامية اليوم تختلف كثيرًا عما كانت عليه في تسعينيات القرن الماضي. فبعد توقيع عدد من الدول العربية اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل، أصبحت العلاقات الرسمية أكثر انفتاحًا في بعض الدول، بينما لا تزال قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، إضافة إلى اتحادات ونقابات مهنية وثقافية، ترفض التطبيع الثقافي، خصوصًا في ظل استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
لذلك، قد يتكرر ظهور كاتب أو مفكر يتبنى مواقف مشابهة، لكن ردود الفعل ستظل مرتبطة بالسياق السياسي، وبطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبالتطورات الميدانية في القضية الفلسطينية.
تبقى قصة علي سالم واحدة من أكثر القصص إثارة للجدل في الثقافة العربية الحديثة. فقد انتقل من موقع الكاتب الذي أضحك ملايين المشاهدين بمسرحه الساخر إلى شخصية أصبحت رمزًا لانقسام عميق بين حرية الموقف الفردي والالتزام بما اعتبره كثيرون موقفًا قوميًّا وثقافيًّا. وبين الإبداع الأدبي والجدل السياسي، ظل اسمه حاضرًا في النقاش العام، ليس فقط بوصفه كاتبًا، بل بوصفه حالة تكشف كيف يمكن لقرار شخصي أن يعيد تشكيل صورة المثقف في الإعلام وفي ذاكرة المجتمع.


