العنوان : حين يفقد الضمير بصره

 

بقلم .مريم بدران

ليس أخطر ما يحدث للإنسان أن يجوع، أو أن يُظلم، أو أن ينكسر. الأخطر أن يتوقف الآخرون عن رؤيته إنسانًا.

 منذ زمن طويل، لم تعد الأزمة الحقيقية في الجريمة أو الفقر أو الصدمات النفسية أو فشل التربية أو انقسام الطبقات. كل هذه ليست سوى أعراض لمرض أعمق بكثير: تراجع القدرة على رؤية الإنسان كما هو، بكل تعقيده وهشاشته وتاريخه الداخلي.

 لقد أصبح العالم سريعًا في إصدار الأحكام إلى درجة مخيفة. يرى النتيجة ويتجاهل الرحلة التي سبقتها. يرى السقوط ولا يسأل عن عدد المرات التي حاول فيها الشخص أن يبقى واقفًا.

 حين نسمع عن جريمة، نسارع إلى البحث عن المجرم، لا عن الإنسان الذي انهار قبل أن يصل إلى لحظة الجريمة. وحين نرى فقيرًا، قد نراه رقمًا في إحصائية أو دليلًا على الفشل. وحين نرى غنيًا، قد نحوله إلى رمز للفساد أو الاستغلال. وحين ينجو شخص من كارثة أو مرض أو صدمة نفسية، نصفق لنجاته ثم نتركه وحيدًا مع ما بقي داخله من حطام.

 كأن البشرية كلها أصبحت تتقن النظر إلى السطح، وتخاف من النزول إلى العمق.

 لكن الحقيقة أكثر إزعاجًا من ذلك.

 الحقيقة أن الإنسان لا يُختزل في أسوأ لحظة عاشها، ولا في أكبر خطأ ارتكبه، ولا في مقدار المال الذي يملكه، ولا في الصدمة التي مر بها، ولا في الطبقة التي ولد فيها.

 الإنسان ليس حادثة.

 الإنسان تاريخ كامل.

 خلف كل فعل توجد قصة، وخلف كل قصة توجد ظروف، وخلف الظروف توجد بنية اجتماعية ونفسية وثقافية صنعت جزءًا مما نراه اليوم.

 هذا لا يعني تبرير الخطأ، بل يعني فهمه.

 لأن العدالة التي لا تفهم تتحول إلى انتقام، كما أن التعاطف الذي يلغي المسؤولية يتحول إلى فوضى. وبين الانتقام والفوضى توجد منطقة نادرة اسمها: الفهم.

 في تلك المنطقة ندرك أن بعض الناس لا يولدون أشرارًا، بل يصلون إلى أماكن مظلمة بعد سنوات من الألم والخذلان والعنف والإقصاء. وندرك أن بعض الناجين لا يعودون من أزماتهم كما كانوا، وأن بعض الجروح لا تنزف دمًا بل تنزف حياة كاملة بصمت.

 هناك أشخاص خرجوا من المستشفيات لكن الخوف لم يخرج معهم.

 وأشخاص خرجوا من الفقر لكن الفقر بقي داخلهم.

 وأشخاص نجوا من الموت لكنهم لم يجدوا طريقة للعودة إلى الحياة.

 وأشخاص يضحكون كل يوم بينما يقضون أعمارهم في محاولة إخفاء معركة لا يراها أحد.

 ومع ذلك يستمر العالم في مطالبتهم بأن يكونوا بخير.

 هذه إحدى أكثر صور القسوة حداثة.

 أن يتحول الألم إلى مسؤولية فردية كاملة، وأن تتحول النجاة إلى واجب، وأن يُطلب من الإنسان أن يرمم نفسه وحده بينما لا أحد يسأل كيف تهدم أصلًا.

 وفي الجهة الأخرى من المشهد، يقف المال.  ذلك الاختراع الذي بدأ أداة وانتهى معيارًا للحكم على البشر.

 لم يعد السؤال: من أنت؟

 بل: ماذا تملك؟

 كم تربح؟

 في أي حي تسكن؟

 ما نوع سيارتك؟

 كم يبلغ رصيدك؟

 وهكذا يُختزل الإنسان مرة أخرى.

 يصبح الفقير مشكلة اجتماعية  ويصبح الغني وظيفة اقتصادية.

 ويختفي الإنسان في الحالتين.

 الفقير لا يحتاج إلى الشفقة بقدر ما يحتاج إلى أن يُرى كإنسان كامل لا كحالة نقص دائمة.

 والغني لا يحتاج إلى التقديس أو الشيطنة، بل إلى أن يُرى هو أيضًا خارج صورته النمطية.

 لكن المجتمعات التي تفقد حساسيتها الأخلاقية لا ترى البشر، بل ترى التصنيفات.

 ولهذا تنتشر الكراهية بسهولة.

 لأن الكراهية لا تحتاج إلى معرفة.

 أما الفهم فيحتاج إلى جهد.

 الكراهية تختزل.

 أما الفهم فيعقد الصورة.

 والعقل البشري المتعب غالبًا يفضل الاختصار على الحقيقة.

 لهذا السبب أصبحنا نعيش في عصر يزداد فيه الاتصال بين الناس، بينما يتراجع فيه فهم الإنسان للإنسان.

 نسمع أكثر، لكننا نصغي أقل.

 نحكم أكثر، لكننا نفهم أقل.

 نراقب أكثر، لكننا نرى أقل.

 وربما هنا تكمن المأساة الكبرى.

 ليست في أن الشر موجود.

 فالشر كان موجودًا دائمًا.

 وليست في أن الظلم موجود.

 فالظلم قديم قدم التاريخ.

 المأساة أن الضمير نفسه بدأ يفقد حساسيته تجاه الألم.

 أن يرى إنسانًا محطمًا فلا يتساءل ماذا حدث له.

 أن يرى فقيرًا فلا يسأل كيف وصل إلى هنا.

 أن يرى شخصًا فشل فلا يسأل ماذا حُطم فيه قبل أن يفشل.

 أن يرى ناجيًا فلا يسأل ماذا مات داخله أثناء نجاته.

 أن يرى حيوانًا يتألم على قارعة الطريق فلا يتحرك فيه شيء، ولا يسأل إن كان يستطيع أن يخفف عنه بعضًا من ألمه.

 أن يرى كل هذا، ثم يعتاد رؤيته، حتى يصبح الألم مشهدًا عاديًا لا يوقظ سؤالًا ولا يحرك ضميرًا.

 وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، لا تعود الأزمة اقتصادية أو سياسية أو قانونية فقط.

 تصبح أزمة رؤية.

 أزمة وعي.

 أزمة معنى.

 لأن الحضارة لا تُقاس بعدد المباني الشاهقة ولا بحجم الثروات ولا بسرعة التكنولوجيا.

 الحضارة تُقاس بقدرة الإنسان على ألا يفقد إنسانيته وهو يملك القوة.

 وبقدرته على ألا يفقد كرامته وهو يعاني الضعف.

 وبقدرته على رؤية الإنسان في الآخر قبل أن يرى صفته أو طبقته أو خطأه أو مصلحته.

 ربما ليست المهمة الحقيقية أن نسأل دائمًا: من المخطئ؟

 بل أن نسأل أولًا: ماذا حدث للإنسان حتى وصل إلى هنا؟

 وحين نتعلم طرح هذا السؤال بصدق، قد لا تختفي الجريمة، ولا الفقر، ولا الألم، ولا الانقسام.

 لكن شيئًا أكثر أهمية قد يعود إلى الحياة.

 الضمير.

 ذلك الجزء المنسي من الإنسان الذي لا يبحث أولًا عمن يدين، بل عمن يفهم.

 ولا يسأل فقط كيف نعاقب، بل كيف نمنع الألم من أن يتكرر.

 لأن المجتمعات التي تكتفي بإصدار الأحكام قد تبدو قوية من الخارج، لكنها في العمق مجتمعات فقدت قدرتها على الشفاء 

 أما المجتمعات التي لا تزال قادرة على الفهم، فهي وحدها التي تملك فرصة حقيقية لإنقاذ الإنسان من الإنسان.