عندما تكون الحكمة أقوى من المواجهة


بقلم.محمد امين 

مدير التواصل المجتمعي في جمعية الضباط المسلمين بشرطة نيويورك

 في عالم تتسارع فيه الأحداث وتنتشر فيه المقاطع القصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل أن يختلط مفهوم الشجاعة الحقيقية بصورة أخرى زائفة تُقدَّم على أنها بطولة. فكثيرًا ما نشاهد مقاطع تُظهر أشخاصًا يواجهون مجرمين أو يدخلون في مشاجرات ومواقف خطرة، وتحصد هذه المشاهد آلاف الإعجابات والمشاركات، مما قد يدفع بعض الشباب إلى الاعتقاد بأن المواجهة المباشرة هي الدليل الأبرز على القوة والشجاعة. غير أن الواقع يثبت في كثير من الأحيان عكس ذلك تمامًا.

تشهد العديد من المدن الأمريكية، ومنها مدينة نيويورك، ارتفاعًا في بعض الجرائم التي تستهدف المتاجر ومحطات الوقود وسائقي الأجرة وعمال التوصيل وأصحاب الأعمال الصغيرة. وفي مثل هذه المواقف قد يجد الإنسان نفسه أمام شخص مسلح، أو مضطرب نفسيًا، أو يائسًا لا يبالي بعواقب أفعاله. وعندما تحدث المواجهة في لحظات التوتر والخوف، فإن نتائجها قد تكون مأساوية، حيث قد تنتهي بإصابات خطيرة أو فقدان أرواح أو تدمير مستقبل أسرة كاملة بسبب قرار اتُّخذ في لحظة اندفاع.

ولهذا تؤكد الجهات الأمنية وخبراء السلامة العامة باستمرار أن حماية الحياة يجب أن تكون الأولوية المطلقة. فالأموال يمكن تعويضها، والبضائع يمكن استبدالها، أما الإنسان فلا يمكن تعويضه. وليس هناك مال أو ممتلكات تستحق أن يخسر المرء حياته من أجلها. إن الحكمة تقتضي في المواقف الخطرة المحافظة على الهدوء قدر الإمكان، وتجنب التصعيد، وملاحظة التفاصيل التي قد تساعد السلطات المختصة لاحقًا في أداء عملها، بدلاً من الدخول في مواجهة قد تكون عواقبها غير محسوبة.

كما أن الوعي بالمخاطر واتخاذ الاحتياطات المناسبة يُعد جزءًا من المسؤولية الشخصية. فالحذر في التعامل مع الأموال والمقتنيات الثمينة، وتجنب لفت الانتباه غير الضروري في الأماكن التي ترتفع فيها معدلات الجريمة، لا يعني تبرير أفعال المجرمين أو تحميل الضحية المسؤولية، بل هو سلوك وقائي يهدف إلى تقليل فرص التعرض للأذى. فالمجرم وحده مسؤول عن جريمته، لكن الإنسان العاقل يسعى دائمًا إلى حماية نفسه وأسرته بكل الوسائل المشروعة.

وتزداد أهمية هذه الرسالة بالنسبة لأصحاب المتاجر وسائقي الأجرة وعمال التوصيل وغيرهم ممن يعملون لساعات طويلة لتوفير حياة كريمة لأسرهم. فهؤلاء لا يحملون مسؤولية أنفسهم فقط، بل ينتظرهم أطفال وأزواج وآباء وأمهات يعتمدون عليهم ويتطلعون إلى عودتهم سالمين في نهاية كل يوم. ومن هنا فإن الانسحاب من موقف خطر أو تجنب مواجهة غير ضرورية لا يُعد ضعفًا أو جبنًا، بل يعكس قدرًا عاليًا من النضج والمسؤولية وحسن التقدير.

لقد أرشدنا الإسلام إلى هذا المعنى العظيم عندما مدح أهل الحكمة والحلم وضبط النفس، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فالقوة الحقيقية ليست في سرعة الغضب أو الميل إلى المواجهة، وإنما في القدرة على التحكم في النفس واتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.

إن من واجبنا تجاه أبنائنا ومجتمعاتنا أن نصحح المفاهيم الخاطئة التي تربط الشجاعة بالمخاطرة غير المحسوبة، وأن نغرس في الأجيال الجديدة أن الحكمة ليست ضعفًا، وأن تجنب الخطر ليس جبنًا، وأن الإنسان لا يحتاج إلى إثبات شجاعته من خلال تعريض حياته للخطر. فليست كل إساءة تستحق الرد، وليست كل مواجهة تستحق المجازفة بالحياة.

وفي النهاية، يبقى الانتصار الحقيقي ليس في الفوز بمشاجرة أو مواجهة عابرة في الشارع، بل في الحفاظ على النفس والعودة سالمًا إلى الأهل والأحبة. فهناك من ينتظرون عودتك، وهناك مسؤوليات لا يمكن أن يؤديها أحد مكانك. لذلك، عندما تجد نفسك أمام موقف خطر، تذكر أن أعظم أشكال الشجاعة قد تكون في اتخاذ خطوة إلى الخلف، والابتعاد عن الخطر، وطلب المساعدة من الجهات المختصة.

فالشجاعة الحقيقية ليست في المواجهة، بل في أن تعود إلى منزلك سالمًا.