ألبانيا.. من «أول دولة ملحدة في العالم» إلى الانفتاح: إرث أنور خوجة وجزيرة سازان شاهدة على حقبة العزلة
تُعد ألبانيا واحدة من أكثر التجارب السياسية إثارة للجدل في أوروبا خلال القرن العشرين، إذ تحولت خلال عقود حكم الزعيم الشيوعي إلى دولة مغلقة على نفسها بشكل شبه كامل، حتى وصفها كثير من الباحثين والمراقبين بأنها "كوريا الشمالية الأوروبية" بسبب سياسات العزلة الصارمة والرقابة المشددة التي فرضها النظام على المجتمع والدولة.
وعندما بدأت ألبانيا الخروج من حقبة الحكم الشيوعي مطلع تسعينيات القرن الماضي، بدا المشهد وكأن البلاد تستيقظ من عزلة استمرت قرابة نصف قرن. فقد كانت العاصمة تفتقر إلى كثير من مظاهر الحياة الحديثة التي كانت مألوفة في بقية أوروبا، فيما ظل عدد السيارات محدوداً للغاية نتيجة القيود المفروضة على الملكية الفردية والأنشطة الاقتصادية الخاصة.
نموذج شيوعي متشدد
تولى أنور خوجة السلطة عقب الحرب العالمية الثانية، وأقام نظاماً شيوعياً يُعد من أكثر الأنظمة تشدداً في أوروبا الشرقية. واعتمدت الدولة على الاقتصاد الموجّه بشكل كامل، حيث احتكرت الحكومة معظم وسائل الإنتاج، بينما كانت الملكية الخاصة خاضعة لقيود صارمة شملت قطاعات واسعة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ولم يقتصر نهج خوجة على التشدد الداخلي، بل امتد إلى السياسة الخارجية، إذ دخل في خلافات حادة مع كل من و في مراحل مختلفة، معتبراً أن قياداتهما انحرفت عن المبادئ الشيوعية التي كان يؤمن بها. ونتيجة لذلك، وجدت ألبانيا نفسها معزولة إلى حد كبير عن الشرق والغرب على السواء.
هاجس الغزو والعزلة
بنى النظام الشيوعي جزءاً كبيراً من خطابه السياسي على فكرة وجود تهديدات خارجية مستمرة تستهدف البلاد. وبناءً على هذا التصور، أطلقت الحكومة مشروعاً دفاعياً واسع النطاق تمثل في إنشاء مئات الآلاف من التحصينات الخرسانية الصغيرة المعروفة باسم "الدشم" أو المخابئ العسكرية.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن عدد هذه التحصينات وصل إلى نحو 700 ألف دشمة موزعة في مختلف أنحاء البلاد، من السواحل إلى الجبال والقرى النائية. وكانت الفكرة تقوم على تحويل كامل الأراضي الألبانية إلى شبكة دفاع شعبي قادرة على مواجهة أي غزو محتمل.
ولا تزال هذه الدشم قائمة في أجزاء عديدة من ألبانيا حتى اليوم، لتشكل أحد أبرز الرموز المادية للحقبة الشيوعية وسياسة الانعزال التي انتهجها النظام.
أول دولة تعلن الإلحاد رسمياً
ومن أبرز المحطات في تاريخ ألبانيا الحديث إعلانها عام 1967 نفسها أول دولة ملحدة رسمياً في العالم. وجاء ذلك ضمن حملة واسعة استهدفت مختلف المؤسسات الدينية، حيث أُغلقت المساجد والكنائس والتكايا، وحُظر النشاط الديني العلني، كما فُرضت قيود صارمة على ممارسة الشعائر الدينية.
وكانت ألبانيا قبل تلك المرحلة تضم مزيجاً دينياً متنوعاً، مع أغلبية سكانية مسلمة إلى جانب أقليات مسيحية كاثوليكية وأرثوذكسية. إلا أن سياسات الدولة آنذاك سعت إلى إقصاء الدين من المجال العام بالكامل باعتباره، وفق الرؤية الشيوعية الرسمية، جزءاً من الماضي الذي ينبغي تجاوزه.
نهاية حقبة خوجة
استمر أنور خوجة في حكم ألبانيا لمدة تقارب 41 عاماً، حتى وفاته عام 1985. وبعد رحيله بدأت البلاد تدريجياً تخفيف بعض القيود، قبل أن يشهد مطلع التسعينيات انهيار النظام الشيوعي وبدء مرحلة التحول السياسي والاقتصادي نحو التعددية والانفتاح على العالم.
وخلال تلك المرحلة واجهت ألبانيا تحديات كبيرة تمثلت في إعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد، بعد عقود طويلة من العزلة التي أبعدتها عن مسارات التنمية والتطور التي شهدتها دول أوروبية أخرى.
جزيرة سازان.. شاهد على زمن الإغلاق
ويعود الحديث عن هذه المرحلة التاريخية اليوم مع تجدد الاهتمام بـ ، الواقعة عند مدخل خليج فلوره على البحر الأدرياتيكي، والتي تُعد أحد أبرز الشواهد على حقبة الحكم الشيوعي.
فقد صُنفت الجزيرة خلال عهد أنور خوجة منطقة عسكرية مغلقة ذات أهمية استراتيجية عالية، وكان يُمنع على المدنيين الألبان والأجانب الوصول إليها أو تصويرها أو الاقتراب منها دون تصاريح خاصة. كما استُخدمت لأغراض دفاعية وعسكرية، وشهدت إنشاء تحصينات وأنفاق ومرافق مرتبطة بالمنظومة الأمنية التي أقامها النظام آنذاك.
واليوم، تمثل جزيرة سازان، إلى جانب آلاف الدشم المنتشرة في أنحاء البلاد، جزءاً من الذاكرة التاريخية لألبانيا، وتذكيراً بمرحلة استثنائية من تاريخ أوروبا الحديثة، حين اختارت دولة صغيرة على ضفاف الأدرياتيك أن تعيش لعقود خلف أسوار العزلة السياسية والأيديولوجية، قبل أن تنفتح مجدداً على العالم مع نهاية الحرب الباردة.
