ضحايا المستديرة.. كيف تحولت كرة القدم من لعبة شعبية إلى صناعة تبتلع المليارات والأرواح؟

فتحى الضبع 

في كل أنحاء العالم، تتوقف الحياة لساعات عندما تنطلق مباراة كرة قدم مهمة. تمتلئ المقاهي بالمشجعين، وتتجه أنظار الملايين إلى الشاشات، وتتصدر أخبار اللاعبين والأندية عناوين الصحف ووسائل الإعلام. فمنذ عقود طويلة نجحت كرة القدم في ترسيخ مكانتها باعتبارها الرياضة الأكثر شعبية على وجه الأرض، لكن هذه الشعبية الهائلة دفعت كثيرين إلى التساؤل: هل ما زالت كرة القدم مجرد لعبة للتسلية والترفيه، أم أنها تحولت إلى ظاهرة تتجاوز حدود الرياضة لتصبح صناعة ضخمة تستنزف الأموال وتستحوذ على العقول وتحصد الأرواح أحيانًا؟

فعلى الرغم من الصورة المثالية التي تُقدم بها كرة القدم باعتبارها وسيلة لنشر الروح الرياضية والتقارب بين الشعوب، فإن تاريخها يحمل وجهًا آخر أقل بريقًا. فقد شهدت الملاعب حول العالم حوادث مأساوية راح ضحيتها آلاف المشجعين بسبب التدافع أو الشغب أو العنف المرتبط بالتعصب الرياضي. وفي مصر ما زالت مأساة استاد بورسعيد عام 2012 حاضرة في الذاكرة بعد أن أودت بحياة أكثر من سبعين مشجعًا، فيما شهد استاد الدفاع الجوي عام 2015 سقوط ضحايا آخرين في ظروف مرتبطة بحضور المباريات. كما هزت العالم في عام 2022 كارثة ملعب كانجوروهان في إندونيسيا، التي أسفرت عن وفاة أكثر من 130 شخصًا وإصابة المئات، لتؤكد أن لعبة يفترض أن تكون وسيلة للمتعة قد تتحول في لحظات إلى مأساة إنسانية.

هذه الحوادث ليست سوى جزء من سجل طويل من الكوارث المرتبطة بكرة القدم، وهو ما يطرح تساؤلات حول حجم التعصب الذي يحيط باللعبة. فالمشجع الذي يدخل الملعب أو يجلس أمام الشاشة لمتابعة مباراة رياضية قد يجد نفسه منخرطًا في حالة من التوتر والانفعال تتجاوز حدود المنافسة الطبيعية، حتى باتت بعض المباريات سببًا في اندلاع أعمال عنف ومواجهات بين الجماهير، وكأن الأمر يتعلق بقضية مصيرية لا بمجرد مباراة تنتهي بفائز وخاسر.

وفي الوقت الذي يدفع فيه المشجعون ثمن هذا الشغف من أعصابهم وأموالهم، تحقق كرة القدم أرباحًا هائلة لم يسبق لها مثيل. فقد تحولت اللعبة خلال العقود الأخيرة إلى واحدة من أكبر الصناعات الاقتصادية في العالم، حيث تدر حقوق البث التلفزيوني والإعلانات وعقود الرعاية وصفقات انتقال اللاعبين مليارات الدولارات سنويًا. ولم يعد اللاعب مجرد رياضي يمارس هوايته، بل أصبح علامة تجارية تدر عليه عقودًا بمئات الملايين، بينما أصبحت بعض الأندية مؤسسات اقتصادية تتجاوز قيمتها السوقية ميزانيات دول صغيرة.

والمفارقة أن القاعدة الجماهيرية التي تقوم عليها هذه الصناعة العملاقة تتكون في معظمها من الطبقات المتوسطة والفقيرة. فالعامل البسيط والموظف وصاحب الدخل المحدود هم الأكثر متابعة للمباريات والأكثر تعلقًا بالأندية، وهم الذين يشترون الاشتراكات الرياضية والمنتجات المرتبطة بالفرق ويخصصون جزءًا من دخولهم المحدودة لمتابعة اللعبة. لكن الأرباح الكبرى لا تعود إليهم، بل تذهب إلى اللاعبين والأندية والشركات الراعية والقنوات الناقلة. وبينما يعيش المشجع فرحة الانتصار أو مرارة الهزيمة، يواصل اللاعبون والمديرون التنفيذيون حصد المكاسب المالية الضخمة بغض النظر عن مشاعر الجماهير.

ويرى منتقدون أن كرة القدم لم تعد مجرد نشاط رياضي، بل تحولت إلى صناعة قادرة على جذب اهتمام الجماهير بصورة تفوق أحيانًا القضايا الأكثر أهمية في حياتهم اليومية. فوسائل الإعلام تخصص ساعات طويلة لتحليل المباريات ومناقشة انتقالات اللاعبين وتفاصيل العقود، في حين تتراجع ملفات مثل التعليم والصحة والبحث العلمي والتنمية الاقتصادية إلى مرتبة أقل في الاهتمام العام. ووفق هذا الرأي، فإن المشكلة لا تكمن في اللعبة نفسها، بل في تضخم حضورها الإعلامي والثقافي إلى درجة تجعلها تستحوذ على جزء كبير من وقت الناس واهتماماتهم.

وتزداد حدة الجدل عندما يتعلق الأمر بحجم الإنفاق الحكومي على كرة القدم في بعض الدول. فخلال السنوات الأخيرة، أنفقت حكومات عربية مليارات الدولارات على بناء الملاعب الحديثة واستضافة البطولات العالمية والتعاقد مع نجوم ومدربين بأرقام قياسية، في إطار خطط تهدف إلى تعزيز الحضور الرياضي وجذب الاستثمارات والسياحة. غير أن منتقدي هذه السياسات يتساءلون عما إذا كانت هذه الأموال يمكن أن تحقق أثرًا أكبر لو وُجهت إلى قطاعات أكثر إلحاحًا مثل التعليم أو الصحة أو الإسكان أو مكافحة الفقر، خاصة في مجتمعات ما زالت تعاني من تحديات اقتصادية ومعيشية كبيرة.

ورغم هذه الانتقادات، لا يمكن إنكار أن كرة القدم توفر الترفيه لملايين البشر وتخلق فرص عمل في مجالات متعددة، كما تسهم في تنشيط قطاعات اقتصادية مرتبطة بالسياحة والإعلام والتسويق. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول اللعبة إلى محور أساسي في حياة الأفراد والمجتمعات، وعندما يصبح الانتصار أو الهزيمة مصدرًا للعداء والتعصب، أو عندما تتقدم أولويات الرياضة على احتياجات أكثر ارتباطًا بحياة الناس ومستقبلهم.

وفي النهاية، تبقى كرة القدم لعبة، مهما بلغت قيمتها الاقتصادية أو حجم شعبيتها. فهي ليست قضية وجودية ولا مشروعًا تنمويًا بحد ذاتها، بل وسيلة للترفيه يفترض أن تمنح الناس المتعة لا أن تكلفهم أرواحهم أو تستنزف مواردهم. وبين الملايين التي تُنفق، والأرواح التي فُقدت، والعواطف التي تُستثمر يوميًا في عالم كرة القدم، يبقى الوعي هو العامل الأهم في إعادة اللعبة إلى حجمها الطبيعي؛ نشاطًا رياضيًا يستحق المتابعة والاستمتاع، لكنه لا يستحق أن يتحول إلى سبب للعنف أو أداة لإلهاء المجتمعات عن قضاياها الحقيقية.