الأخصائية النفسية كريستينا: القلق والوحدة أبرز تحديات اللاجئين العرب في ألمانيا
في ظل التحديات النفسية والاجتماعية التي يواجهها اللاجئون والمهاجرون العرب في أوروبا، تبرز أهمية التوعية بالصحة النفسية وتوفير مساحات آمنة للحوار والدعم. وفي هذا السياق، التقينا بالأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس وعلوم الأعصاب كريستينا، التي درست علم النفس في النمسا وتلقت تدريبًا عمليًا في برلين، حيث تعمل على دعم الأفراد نفسيًا، إلى جانب نشاطها في نشر التوعية النفسية عبر منصات التواصل الاجتماعي وتقديم محتوى مبسط وتأملات باللغة العربية العامية.
في هذا الحوار، تتحدث كريستينا عن رحلتها المهنية، وأبرز التحديات النفسية التي تواجه اللاجئين العرب في ألمانيا، وأهمية كسر الوصمة المرتبطة بالعلاج النفسي، ودور المحتوى الرقمي في نشر الوعي بالصحة النفسية.
كريستينا متخصصة في علم النفس وعلوم الأعصاب، درست في النمسا وتلقت تدريبًا عمليًا في برلين، حيث جمعت بين الدراسة الأكاديمية والتطبيق الميداني في مجالات التقييم النفسي والعلاج والدعم النفسي. تهتم بقضايا الصحة النفسية للمهاجرين واللاجئين، كما تنشط في إنتاج محتوى توعوي عبر منصات التواصل الاجتماعي باللغة العربية، وتسعى إلى تبسيط المفاهيم النفسية وإتاحتها للجمهور بصورة علمية وسهلة الفهم.
بداية، كيف بدأت رحلتك مع علم النفس والعلاج النفسي؟
منذ سنوات طويلة كنت مهتمة بفهم الدماغ والجهاز العصبي، وكنت أتساءل دائمًا عن أسباب اختلاف السلوك البشري وكيف يمكن أن تتغير المشاعر والتصرفات نتيجة عوامل نفسية أو عصبية. هذا الفضول دفعني إلى محاولة فهم الإنسان بصورة أعمق.
إلى جانب ذلك، كانت لدي رغبة حقيقية في مساعدة الآخرين والتخفيف عنهم في أوقاتهم الصعبة، وهو ما جعلني أجد نفسي في هذا المجال.
وما الذي دفعك لاختيار التخصص في علم النفس وعلوم الأعصاب تحديدًا؟
خلال دراستي في النمسا مررت بمرحلة من المواد التمهيدية التي أتاحت لي التعرف بشكل أوسع إلى تخصصات علم النفس المختلفة، وكانت تجربة حاسمة أكدت لي أنني في المجال الذي أريد الاستمرار فيه.
ما جذبني أكثر هو تنوع التخصصات داخل علم النفس؛ فهناك علوم الأعصاب، وعلم النفس الاجتماعي، وغيرها من الفروع التي تساعد على فهم الإنسان من زوايا متعددة، سواء من ناحية الدماغ أو العلاقات الاجتماعية وتأثير البيئة والمجتمع على الفرد.
كيف أثرت الدراسة في النمسا والتدريب في برلين على رؤيتك للعلاج النفسي؟
ما ميّز التجربة الدراسية بالنسبة لي هو طابعها العملي. لم تكن الدراسة قائمة على النظريات فقط، بل كانت مرتبطة بالتطبيق المباشر من خلال الاختبارات النفسية والمقابلات والتعامل مع أشخاص حقيقيين.
هذا الأمر جعلني أرى العلاج النفسي باعتباره ممارسة حية مرتبطة بالحياة اليومية، وليس مجرد معرفة أكاديمية، وساعدني على الربط بين النظرية والتطبيق بصورة أكثر فعالية.
هل لعبت تجارب شخصية دورًا في توجيهك نحو هذا المجال؟
منذ طفولتي كنت أحب الحوار والاستماع إلى الناس، وكنت ألاحظ كيف يمكن لكلمة أو مساحة من الإنصات أن تخفف عن شخص ما.
وبالطبع، هذا وحده لا يكفي للعمل كمعالج نفسي، لكنه كشف لي مبكرًا مدى اهتمامي بفهم الإنسان والعلاقات والمشاعر، وشجعني على تحويل هذا الاهتمام إلى مسار مهني وعلمي.
الصحة النفسية واللجوء
من خلال عملك، ما أبرز المشكلات النفسية التي يواجهها اللاجئون العرب عند وصولهم إلى ألمانيا؟
القلق والخوف المستمران من أكثر المشكلات شيوعًا. فالكثير من اللاجئين يمرون بتجارب صعبة قبل الوصول أو خلال رحلة اللجوء نفسها، ثم يواجهون بعد ذلك حالة من عدم اليقين بشأن المستقبل.
في كثير من الحالات يبقى الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم، وكأن الخطر ما زال قائمًا، وهو ما قد يظهر على شكل قلق مزمن أو أرق أو أعراض نفسية وجسدية مختلفة.
ما أبرز الفجوات بين توقعات اللاجئين قبل الهجرة والواقع الذي يواجهونه بعد الوصول؟
كثيرون يتوقعون أن تبدأ مرحلة الاستقرار بسرعة، لكن الواقع مختلف. فالإجراءات القانونية والإدارية قد تستغرق وقتًا طويلًا يمتد أحيانًا لسنوات.
كما أن بعض اللاجئين كانوا يشغلون وظائف أو مواقع مهنية جيدة في بلدانهم، ثم يجدون أنفسهم في مرحلة انتظار طويلة، ما يولد شعورًا بالإحباط أو التساؤل حول القرارات التي اتخذوها.
كيف تؤثر العزلة الاجتماعية والصدمات الثقافية على الصحة النفسية؟
العزلة الاجتماعية وغياب شبكة العلاقات الداعمة قد تؤدي إلى مشاعر الوحدة والاكتئاب وانخفاض تقدير الذات.
كما أن الصدمة الثقافية والضغوط المرتبطة بالتأقلم والاندماج والخوف من فقدان الفرص تضع كثيرين في حالة توتر مستمرة، ما يزيد من الشعور بالعجز إذا لم يتوفر الدعم المناسب.
إلى أي مدى تمثل العنصرية أو الشعور بالرفض المجتمعي عاملًا مؤثرًا؟
العنصرية موجودة بدرجات متفاوتة في مختلف المجتمعات، لكنها تترك أثرًا خاصًا على اللاجئين، خاصة عندما تقترن بحاجز اللغة أو صعوبات التواصل.
فبعض الصور النمطية قد تدفع الأشخاص إلى الانسحاب من الحياة الاجتماعية والاكتفاء بدوائر محدودة وآمنة، ما يؤثر بدوره على فرص الاندماج والتطور.
هل تختلف طبيعة المشكلات النفسية بين اللاجئين القادمين من دول عربية مختلفة؟
تختلف التفاصيل تبعًا للخلفية الشخصية وظروف اللجوء التي مر بها كل فرد، لكن هناك قواسم مشتركة عديدة، أبرزها القلق والصدمات النفسية والاكتئاب وصعوبة التكيف مع الواقع الجديد.
ما أكثر الحالات التي تركت أثرًا في نفسك؟
أكثر ما يؤثر فيّ هي قصص الأطفال الذين يصلون بمفردهم بهدف لمّ شمل أسرهم. فأن يتحمل طفل مسؤوليات تفوق عمره بكثير هو أمر مؤلم ومؤثر للغاية.
كسر الوصمة المرتبطة بالعلاج النفسي
لماذا لا يزال كثير من العرب يترددون في طلب المساعدة النفسية؟
هناك عدة أسباب، أبرزها الخجل من فكرة العلاج النفسي وربطها بالضعف أو المرض الشديد.
كما أن كثيرًا من الأعراض النفسية تظهر في شكل أعراض جسدية، ما يدفع الأشخاص إلى البحث عن تفسير طبي عضوي أولًا، إضافة إلى تأثير الضغوط الاجتماعية والخوف من الأحكام المسبقة.
ما أبرز المفاهيم الخاطئة المنتشرة حول العلاج النفسي؟
من أكثرها شيوعًا الاعتقاد بأن العلاج النفسي مخصص فقط للأشخاص المصابين باضطرابات شديدة، أو أن المشكلات النفسية لا قيمة لها مقارنة بالمشكلات الجسدية.
في الواقع، الصحة النفسية والجسدية مترابطتان بشكل وثيق، وكل منهما يؤثر في الآخر بصورة مباشرة.
وكيف يمكن كسر حاجز الخوف أو الخجل من زيارة المعالج النفسي؟
من المهم أولًا أن ندرك أن التعرض لضغوط نفسية أمر طبيعي، وأن طلب المساعدة ليس علامة ضعف بل خطوة مسؤولة تجاه الذات.
كما أن العلاج النفسي يقوم على السرية ويوفر مساحة آمنة يمكن للإنسان أن يتحدث فيها بحرية وراحة.
هل تلاحظين تغيرًا في وعي الأجيال الجديدة؟
نعم، هناك فرق واضح. الأجيال الجديدة أكثر استعدادًا للحديث عن الصحة النفسية وطلب الدعم، وهذا انعكس في زيادة الإقبال على العلاج النفسي مقارنة بالأجيال السابقة.
التوعية النفسية عبر المنصات الرقمية
كيف جاءت فكرة استخدام تيك توك وإنستغرام في التوعية النفسية؟
كانت الفكرة نابعة من ملاحظة أن كثيرًا من الناس يشعرون بالخجل من طلب المساعدة أو لا يعرفون أن ما يمرون به له تفسير نفسي.
لذلك أردت تقديم محتوى مجاني ومبسط باللغة العربية يتيح للناس الوصول إلى معلومات صحيحة ويشعرهم بأنهم ليسوا وحدهم.
ما أبرز التحديات التي واجهتك؟
أصعب ما في الأمر هو تبسيط مفاهيم علمية معقدة خلال وقت قصير جدًا، مع الحفاظ على الدقة وعدم اختزال الموضوعات بطريقة مضللة.
كما أن المحتوى على وسائل التواصل قد يُقتطع من سياقه أو يُفهم بصورة مختلفة عما كان مقصودًا.
كيف تحققين التوازن بين الدقة العلمية ومتطلبات المحتوى القصير؟
أركز غالبًا على فكرة واحدة واضحة في كل فيديو، وأستخدم أمثلة قريبة من الحياة اليومية.
وفي الوقت نفسه أتجنب تقديم حلول جاهزة أو تعميمات مطلقة، لأن كل تجربة إنسانية تختلف عن الأخرى.
ما الموضوعات التي تحقق أكبر تفاعل؟
الموضوعات المرتبطة بالحياة اليومية والثقافة المحلية تحظى عادة بأكبر قدر من التفاعل، خاصة عندما يشعر الناس أنها تعبّر عن تجاربهم ومشاعرهم بشكل مباشر.
وهل وصلك ما يؤكد أهمية هذا المحتوى؟
بالتأكيد. تصلني باستمرار رسائل من أشخاص يخبرونني أن فكرة بسيطة أو مقطع قصير ساعدهم على فهم أنفسهم بشكل أفضل أو اتخاذ خطوة إيجابية في حياتهم.
التأمل والصحة النفسية
كيف جاءت فكرة تقديم التأملات باللهجة المصرية العامية؟
بدأت الفكرة أثناء عملي في إحدى المؤسسات العلاجية حيث كنت أقدم تأملات باللغة الألمانية، ولاحظت أثرها الإيجابي على المشاركين.
بعد ذلك فكرت في تقديم تجربة مشابهة باللغة العربية العامية لتكون أقرب إلى الناس وأكثر سهولة في التلقي.
ولماذا ترين أن العامية أكثر تأثيرًا من الفصحى في هذا النوع من المحتوى؟
لأنها اللغة التي يستخدمها الناس يوميًا، وبالتالي تكون أكثر قربًا من المشاعر والتجارب الشخصية.
في التأمل تحديدًا، كلما كانت اللغة مألوفة وسهلة، أصبح من الأسهل الوصول إلى حالة من الهدوء والتركيز.
كيف تصفين العلاقة بين اللغة والمشاعر؟
اللغة تساعد الإنسان على تسمية مشاعره وفهمها والتعبير عنها. وعندما يستخدم الشخص لغته الأم، يصبح أكثر قربًا من تجربته الداخلية وأكثر قدرة على التواصل مع ذاته.
ما أكثر الانطباعات التي تلقيتها من المستمعين؟
كثيرون أخبروني أن المحتوى النفسي أصبح بالنسبة لهم أبسط وأقل تعقيدًا مما كانوا يتصورون، وأنهم وجدوا فيه مساحة مريحة للتأمل والتفكير.
وهل لاحظتِ أثرًا ملموسًا لهذه التأملات؟
نعم، فقد أخبرني العديد من المتابعين أنهم شعروا بقدر أكبر من الهدوء والراحة حتى بعد تجارب قصيرة، وهو ما يؤكد قيمة هذه الأدوات البسيطة.
ما الفرق بين التأمل والعلاج النفسي؟
التأمل يمكن أن يكون أداة مفيدة ومكملة للعلاج النفسي، لكنه لا يحل محله.
فالعلاج النفسي عملية مهنية متكاملة تشمل التقييم والفهم والعمل على المشكلات النفسية بصورة منهجية، بينما يمثل التأمل إحدى الوسائل المساعدة التي يمكن استخدامها ضمن هذه العملية أو بشكل مستقل.
كيف يساعد التأمل في التعامل مع القلق والتوتر؟
يساعد التأمل على تهدئة الإيقاع السريع للحياة اليومية، ويمنح الإنسان فرصة لملاحظة مشاعره وأفكاره دون مقاومة أو خوف، ما يسهم تدريجيًا في خفض مستويات التوتر والقلق.
وما العلامات الجسدية التي قد تشير إلى ضغوط نفسية؟
من أبرزها الصداع المستمر، وشد العضلات، وآلام الرقبة والظهر، واضطرابات الجهاز الهضمي، والإرهاق المزمن.
لكن من المهم دائمًا استبعاد الأسباب الطبية المحتملة عند ظهور هذه الأعراض.
ما النصيحة التي تقدمينها لمن يعاني من التوتر المزمن أو نوبات الهلع؟
أهم ما يجب فهمه هو أن نوبة الهلع لا تعني وجود خطر حقيقي، بل هي استجابة مبالغ فيها من الجهاز العصبي.
ومع الفهم الصحيح والدعم المناسب والعلاج عند الحاجة، يمكن التعامل مع هذه النوبات وتحسينها بشكل كبير.
هل هناك فئات تحتاج إلى الحذر عند ممارسة التأمل؟
نعم، بعض الحالات النفسية الشديدة، مثل الاضطرابات الذهانية أو بعض حالات الفصام والصرع، قد تحتاج إلى إشراف مختص قبل ممارسة أنواع معينة من التأمل.
خدمات الصحة النفسية للاجئين
كيف تقيّمين مستوى خدمات الصحة النفسية المقدمة للاجئين في ألمانيا؟
الخدمات موجودة بالفعل، لكن التحدي الأكبر يكمن في سهولة الوصول إليها.
فالكثير من اللاجئين لا يعرفون حقوقهم أو الخدمات المتاحة لهم، كما أن الضغط الكبير على النظام الصحي قد يؤدي إلى فترات انتظار طويلة.
ما أبرز أوجه القصور التي ما زلتِ ترين ضرورة معالجتها؟
هناك حاجة أكبر إلى نشر المعلومات حول الخدمات والحقوق المتاحة، إضافة إلى تعزيز برامج الدعم الاجتماعي والأنشطة التي تساعد على بناء العلاقات والاندماج في المجتمع.
وما الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات العربية؟
يمكن للمؤسسات العربية أن تسهم في نشر الوعي بالصحة النفسية، وكسر الوصمة الاجتماعية المرتبطة بها، وتوفير محتوى مبسط ومساحات آمنة للحوار والدعم.
كيف ترين مستقبل التوعية النفسية عبر المنصات الرقمية؟
أعتقد أنها ستواصل النمو وستصبح جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، لكن التحدي الأكبر سيكون في الحفاظ على جودة المحتوى ودقته العلمية.
وما المشاريع التي تعملين عليها حاليًا؟
أعمل حاليًا على تطوير محتوى أكثر عمقًا، سواء من خلال الفيديوهات أو التأملات، مع التركيز على خلق مساحات أكبر للتفاعل والتجربة وليس مجرد استهلاك المحتوى.
وأخيرًا، ما الرسالة التي توجهينها لكل لاجئ عربي يشعر بالوحدة أو القلق في بلد جديد؟
أود أن أقول له إن مشاعر الوحدة والقلق في هذه الظروف طبيعية ومفهومة، ولا تعني الضعف.
التأقلم مع حياة جديدة يحتاج إلى وقت وصبر، لكن وجود أشخاص داعمين أو الاستعانة بالمساعدة النفسية أو حتى اتخاذ خطوات صغيرة يوميًا يمكن أن يصنع فرقًا كبيرًا. الأهم هو ألا يواجه الإنسان هذه التجربة وحيدًا، وأن يسمح لنفسه بطلب المساعدة عندما يحتاج إليها.
